تذوق الجمال

 

 

مقدمة

قبل أن نعود للأزمات المتراكمة ومظاهرها في أمتنا أذكر أنني حينما قام بعض سفهاء الغرب بالاستهزاء بصور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في بعض صحفهم، وانتفض المسلمون لهذا الفعل الشنيع، قلت وقتها: أنني لم أكن أتصور أو أتوقع أن كل هذا الحب موجود في قلوب الناس جميعا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سواء الطائع منهم والعاصي، ولم أكن أتصور أن تكون هذه الإساءة البالغة سببا في تكاتف المسلمين ووقوفهم صفا واحدا للدفاع عن نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم.

أذكر هذا لأبيّن أن الأزمات قد تكون دافعا وحافزا للأمة لتعيد حساباتها وترتب صفوفها وتطور مسيرتها وتنهض من جديد.

ونحن نؤمن أن أمة الإسلام حية باقية، وأن الأزمات قد تعصف بأي أمة وهذه سنة إلهية، وهذا مايدعونا لنشخص الأزمات ونحاول أن نوجد البديل والحل، ونحن مع هذا كله لم ولن نيأس، لأن اليأس بداية الموت.

فمرحبا بكم في هذه الزاوية التي نتواصل من خلالها ونبدي رأينا ونستقبل آراءكم، وسنعرض في هذه الزاوية أزمة جديدة، وهي وإن لم يرها البعض من أولويات الشعوب، لكننا نراها من الأهمية بحيث يصح أن تكون من جملة أزماتنا التي تستحق إعادة النظر والدراسة والاهتمام.

هذه الأزمة هي أزمة عدم تذوق الجمال والإحساس به وغيابه في شتى مجالات حياتنا وعلاقاتنا.

 

إن الله جميل يحب الجمال

جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ( إن الله جميل يحب الجمال ) وقد دعانا الله في كثير من آياته لنلاحظ الجمال في الكون سواء كان في السماء أو كان في الأرض فيقول سبحانه متحدثا عن جمال السماء الدنيا داعيا عباده أن يستشعروا هذا الجمال ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج ).

ثم يتحدث عن إبداعه في خلق الأرض ويظهر جمالها ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج )

كما يتحدث عن الجمال الذي أودعه في الإنسان حينما خلقه ( وصوّركم فأحسن صوركم ) ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )

وإن أقبح رجل في نظر الناس لايرضى أن يشبّه بأجمل حيوان في عيون الناس ذالك أنه يعلم أن خلقته أجمل من كل مايتغنى به الشعراء من البقر وعيونها والغزلان وأعناقها.

 

جمال الجنة

يقول الله سبحانه في سورة الإنسان ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا * وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا )

فقد صوّر الله سبحانه الجنة بجمال ليس يفوقه جمال، وأراد من عباده أن يستشعروا جمالها وحلاوتها ولذتها، كما كرر ذلك في أكثر من سورة ومرة بعد مرة، ليحرك إحساسهم بجمال الدار الخالدة الباقية.

 

الجمال الذي نتحدث عنه

يظن البعض أن الجمال ينحصر في جمال المرأة أو الإنسان، وأن الجمال حينما يطلق فإنما يراد به الفاتنة التي تسبي العقول وتتعلق بها الأنظار، وهذا وإن كان جزءا من جمال الدنيا لكن الجمال أشمل من ذلك بكثير، فهو كلمة تدخل في جميع تفاصيل حياتنا، ووصف ينطبق على كل مفردة من مفردات حياتنا بكل أجزائها.

فالجمال يوصف به الإنسان كماتوصف به الجمادات واللباس كماتوصف به الإبداعات وكذلك الكلام والأفعال وطريقة التفكير والمعاملة.

والجمال توصف به المعاني، فكل القيم التي نتباهى بها من الكرم والشهامة والإخلاص والمحبة هي قيم جمالية تبعث في النفس جمال الأخلاق.

 

الرسول صلى الله عليه وسلم والجمال

أجمعت الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أجمل الناس هيئة ووجها وكان يوصف بالقمر ليلة البدر، كما كان صلى الله عليه وسلم جميل الثياب في نظافتها ورائحتها، كما كان يهتم بجمال شعره، وكان أجمل الناس كلاما وأدبا ومعاملة صلى الله عليه وسلم.

ومن اهتمامه بالجمال وسعيه أن يتذوقه الناس أن أحد أصحابه رأى الأذان في منامه فلما جاءه وأخبره بألفاظ الأذان قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقنه بلالا فإنه أندى منك صوتا.

كما أنه كان يحث أصحابه على قراءة القرآن بصوت جميل فيقول ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن )

كما أن جبريل عليه السلام حينما كان يأتيه على صورة بشر كان يأتيه بصورة دحية الكلبي أجمل العرب يومئذ.

 

جمال القرآن الكريم

وقد أعطى الله نبيه معجزة خالدة باقية هي القرآن الذي نتلوه، وجعل فيه من جمال البلاغة وسحر العبارة ما أعيى العرب أن يأتوا بمثله، حتى أن الوليد بن المغيرة حينما سمعه رجع لقومه وقال لهم وهو يومئذ مشرك ( والله أن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، ومايقول هذا بشر )

فكما أن الجمال يدخل في الشكل والأفعال فهو يدخل في الكلام وقد قال الحسن البصري وكان يتحدث للتابعين ( لقد أدركت أناسا – يعني صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - ينتقون أطايب الكلام كما تنتقون أطايب الطعام )

وكان العرب يستشعرون جمال الكلام ويطربون له فجاء القرآن الكريم غاية في الجمال والإبداع والروعة.

 

مظاهر فقدان تذوق الجمال

لعل من أضرار الحياة العصرية التي نعيشها اليوم والتي أصبحت في مجملها مادية بحتة أننا فقدنا الإحساس بالجمال وماتت في نفوس الكثير حاسة تذوق الجمال والشعور به، مع أن هذا الشعور له فوائد عديدة هامة في حياة الشعوب وليس مجرد شعور رومانسي كمالي ومن هذه المظاهر السلبية:

1- أصبح الكثير لايتذوقون جمال التعبير وسحر البيان وبالتالي انقلبت مخاطباتهم فيما بينهم جافة لاحياة فيها، كما أنهم فقدوا لذة الاستمتاع بجمال وبيان القرآن الكريم.

2- البنيان العشوائي وغير المتناسق والذي سببه غياب الجمال في تنظيم المدن والعمارات والبيوت سواء من جهة الحكومة أو من جهة الناس.

3- حينما لايربى الطفل على الإحساس بالجمال فإنه لايهتم بنظافة مدينته وشوارعها، ولا بالأشجار المزروعة فيها، كما أنه يفقد الكثير من الآداب والإبداع وقد أظهرت الدراسات أن من صفات المبدعين أنهم يتذوقون الجمال ويحسونه.

4- الجفاء الحاصل سواء بالنفوس أو بالمعاملة أو بطريقة التعبير كله منبعه موت الإحساس بالجمال في النفوس فهي لاتدرك جمال الأخلاق ولاروعة اللطف ولاحلاوة الأدب فيغلب عليها الجفاء، وقد جاء في الأثر أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرعون الأبواب بالأظافر، وهذا من شدة إحساسهم بتذوق جمال الأدب واللطافة رضوان الله عليهم.

5- انصراف الناس من الفن الجميل ( الأصوات الحسنة والأصيلة واللوحات المعبرة والطبيعة الخلابة والأدب الراقي ) إلى الفن المزيف والمتمثل بالإثارة والأكشن والذي لايمت إلى الذوق والجمال بصلة.

 

وقد اختصرت أمورا كثيرة كنت أتمنى أن أتحدث عنها لكن مساحة الزاوية كانت فيصلا في ذلك، لكنني أرجو أن أكون قد تناولت هذه الظاهرة بما يجعل القارئ يدرك ضرر غياب الإحساس بالجمال في حياتنا من كل النواحي وفي كل الأمور.

ولو عدنا لعصور النهضة في تاريخنا لوجدناها تفوقت بإحساسها بجمال الأشياء فكانت الزخرفة الأندلسية ووجدت الخطوط العربية التي تطورت وتألقت وكانم العمران الجميل الذي لايزال التاريخ شاهدا عليه.

 

 

د. طارق محمد السويدان