التخلف الفكري

 

 

مقدمة

تنوء الأمة العربية والإسلامية تحت أزمات ثقيلة، تحدثنا في الحلقات الماضية عنها باختصار وهي أزمة التخلف التربوي والثقافي والتكنولوجي، وسنتحدث اليوم بإيجاز عن التخلف الفكري، ونحن لسنا نتحدث عن أزمات الأمة بغرض بث روح اليأس في المجتمعات (كما قلنا سابقاًولكن من باب تشخيص الداء تمهيداً لوصف الدواء، فإن معرفة المشكلة أساس في حلها، ونحن اليوم أحوج ما نكون لمعرفة مشاكلنا وتشخيصها بدقة وسبر أبعادها ومعرفة دقائقها حتى نتمكن من وضع الحلول الصحيحة لها.

ويكاد الجانب الفكري يكون أهم الجوانب في حياة الأمم اليوم، فإن الأفكار تصنع المستقبل، وإن كل أمة تقيم بأفكارها، لأن الفكر هو الرئة التي يتنفس من خلالها جسد الأمة، وشهيقه وزفيره منها هو صناعة النهضة أو صناعة الانحطاط، ويكفي أن نعلم أن الخطط الاستراتيجية التي تصنعها الحكومات هي نتيجة لفكر أصحابها، فإذا كانت أفكارهم طموحة بناءة، ومدروسة ومنظمة، كانت خططهم أيضاً مدروسة ومنظمة، وقابلة للتحقيق.

وليسمح لي القارئ الكريم أن أستعرض أزمة التخلف الفكري في مجموعة من النقاط باتت اليوم عقداً ينبغي حلها، وفي رأيي أنها تتمثل في :

 

1-  عقد العادات والتقاليد:

فالفكر في أوطاننا مورث من الأجيال السابقة، بغض النظر عن كونه صحيحا أو خاطئا، ولكنها تركة حملناها رغما عنا، وما نزال نصدح بها في كل يوم وندافع عنها، دون أن نتيح لأنفسنا مراجعتها وإعادة تقييمها ورؤية مدى صلاحيتها، إننا لا ندعو إلى نبذ القيم والعادات، ولكننا ندعو إلى تأكيد ما هو جيد وصالح منها، ونبذ ما هو قديم وتالف أو بني على أساس ظروف معينة في وقت معين، فعاداتنا في بعض البلدان تمنع على الصغار الحديث في حضرة الكبار أو إبداء آرائهم، وفي بعض البلدان تصادر كل الآراء أمام رأي الكبير في الأسرة أو العشيرة أو القبيلة أو الوزير أو الحاكم، مع أن الإسلام دين الشورى والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقرر أمراً حتى يشاور أصحابه ويأخذ رأيهم، وكثيرا ما كان يضع رأيه جانبا إذا وجد أن آراءهم أقرب للصواب أو أكثر حكمة ما لم يكن وحياً منزلاً أو أمراً من الله عز وجل.

ونحن نتبع عادتنا وتقاليدنا في كثير من الأمور حتى الشرعية منها، فلدينا عادات منافية للإسلام في الزواج والطلاق، وعادات في الأعياد والمناسبات تبيح ارتكاب المعاصي باسم الفرح، وما زالت المرأة ترضخ تحت وطأة العادات والتقاليد، فهي تمنعها من المشاركة في حياة الناس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكل نواحي الحياة، ولو رحت استعرض معكم عادات كل شعب من شعوبنا لوجدنا أن الكثير منها مخالفة لتعاليم ديننا الحنيف، وموروثة من الآباء والأجداد، دون أن يجرؤ أحد على المساس أو الحديث عنها، بل قد يلحقه العار بكونه حتى يتكلم فيها.

إن الخطر في هذه التقاليد والعادات أنها تلجم حركة الفكر والنهضة الفكرية، فالفكر النهضوي يحتاج إلى مناخ حر لا تقيده عادات الناس وتقاليدهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما ينطوي فقط تحت ضوابط الإسلام وضوابط الأخلاق العامة والمنطق والعقل، وفيما عدا ذلك فليس لأحد عليه من سلطان.

2-عقد التقليد والانبهار :

وعلى الجانب الآخر تجد التفلت في كل صوب، فكثير من الناس يعبدون الموضة والتقاليع الجديدة التي تأتينا بأقنعة مختلفة من الغرب، دون النظر والتدقيق، وهذا التقليد الأعمى والانبهار الشديد بما هو آت من الخارج أيضاً يعرقل الفكر الحر، بل يوثق قيوده إلى أفكار الآخرين، ويجعلها تابعاً لها، ويختفي الإبداع، وتزول معه الرؤية الرشيدة للواقع.

وتصاحب هذه العقدة ضعف الثقة بأفكارنا وعقولنا، فالانبهار بالفكر الآخر يجعل عقولنا مجمدة تنتظر كل جديد منه، لا مبتكرة أو خلاقة، مع أننا نمتلك أذكى العقول وأقدرها على التفكير، ولكننا نضعها جانباً حين يأتي الأمر من العقول الخارجية! هل تعلم بأن عدد براءات الاختراع التي سجلت في عام واحد في الدول العربية جمعاء لا تتجاوز 70 براءة اختراع، بينما في إسرائيل وحدها سجل 1031 براءة اختراع !


وفي حين ينبغي أن نزيد من ثقتنا بأنفسنا نجد الشعوب الأخرى قد سبقتنا، فهذا (هتلر) بث في شعبه أنه الأول على شعوب الأرض، وأمريكا اليوم تدعى الصدارة على الشعوب، واليهود قالوا (نحن أبناء الله وأحباؤهفلماذا تسود أفكار الضعف والانهزام والتخلف في مجتمعاتنا؟

 

3-عقدة الفكر الديني :

ونحن كثيراً ما نسيء فهم ديننا الحنيف، فالخطاب الديني اليوم يحتاج إلى تجديد ورؤية تتجاوز قدامى المستمعين – إذا سمح لي التعبير المجازي بذلك . يحتاج الخطاب الديني لأن يشمل جميع أفراد الأمة ويصل إلى البر والفاجر، المثقف والعامي، الحاكم والمحكوم، ونحتاج إلى نرقى بهذا الخطاب إلى المنهج العلمي الذي يدخل عقول كل الناس دون تعصب لرأي أو مذهب أو جماعة أو تيار أو حزب أو شيخ أو دولة.

كذلك علينا أن نفخر بديننا، ونزهو بإسلامنا، لا أن يكون الدين عبئاً علينا إذا ما اغتربنا أو سافرنا، ويجب علينا أن نقتنع حقيقة بأن ديننا هو الدين الصحيح بين كافة الأديان على وجه الأرض، ونثق بأنفسنا بإتباع الإسلام، لا أن يكون هذا حاجزاً يمنعنا من بث خطابنا الفكري إلى سائر الأمم والحضارات.

ومن أزمات التخلف في الفكر الديني هو التقديس الذي يحوط عدداً من الناس إلى درجة كبيرة مبالغ فيها، بحيث تصبح كلماتهم وآراؤهم منزلة لا تقبل النقاش أو التفكير، ولسنا نتحدث عن الاحترام الذي هو واجب شرعي، ولكن نتحدث عن التقديس الذي ينافي الشرع والدين هذا التقديس الذي جعل بعض الناس يلغي عقله أمام قولة لعالم من السلف أو الخلف حتى لو قال كلاما يتنافى مع العقل والمنطق.

إن الفكر الديني الحالي يحتاج إلى أن يطلق سراحه، ويحرر من قيوده كي يشمل ليس فقط أمتنا الإسلامية، بل ينطلق إلى الأمم الأخرى ويسمع الناس جميعا تعاليم وسماحة ديننا العظيم ، ولا بد أن يعاد بناؤه بما يتوافق مع العقل والمنطق ومقتضيات العصر الحديث ومراعاة تغير الزمان والمكان والظروف والأحوال. ( ولنا وقفة أخرى مع هذا الموضوع لاحقا إن شاء الله تعالى ) .


 

4-عقدة الخوف والاستعباد :

إن من ألد أعداء الفكر السليم هو فقدان الحرية، فلا يمكن أن ينتج الفكر إلا في مناخ الحرية، فما دامت لدينا عقد الخوف من أن نبوح بأفكارنا فلن يتحرر فكرنا، فنحن نعاني من عقد الخوف من الأنظمة السياسية، والخوف من الرقابة الداخلية والخارجية، ولا يمكن أن تنطلق الأفكار العظيمة إلا في ساحات الحرية المجيدة، أما في ظل الشعوب المستعبدة فهيهات أن ترى الأفكار الرائعة النور، بل خير لها أن تظل حبيسة العقول عن أن تخرج فتصبح حبيسة السجون (وكذلك لنا وقفة أخرى مستقبلا إن شاء الله مع موضوع الحرية والاستعباد بالتفصيل لأهميتها).

 

5-عقد الجهل والانعزال :

وتعتبر هذه العقدة أضخم العقد في أمتنا، ولا نزال في مراحل متأخرة عن مصاف الأمم في ثقافتنا، يكفي أن نعرف أن حوالي نصف أمتنا العربية ما زالت أمية لا تقرأ ولا تكتب، فكيف يصلها الفكر الذي نتحدث عنه؟! ففي تقرير المجلس العربي للطفولة والتنمية سجلت الأمية رقماً مفزعاً حيث تبين أن نصف الذين تجاوزت أعمارهم 15 عاماً يعانون من الأمية في الوطن العربي، وأن هناك 70 مليون عربي أمي ثلثهم من الأطفال والنساء (حسب تقرير منظمة اليونسيف).

وإننا ما بقينا في معزل عن الثقافة سنبقى في معزل عن التجديد في الفكر، لأنهما مترابطان لا ينفكان، ولا يمكن أن نرقى في خطابنا الفكري ما لم نحارب الجهل والانعزال، فكيف إذا عرفت أن 70% من مناهج الدول العربية التي تدرس في المدارس قديمة لأكثر من عشرين عاماً مضت بالمقارنة مع المناهج العالمية (وسنقف وقفة خاصة مستقبلا في موضوع التعليم وكيفية تطويره لأهميته).

 

ولما كان حديثنا عن الحلول وليس عن المشاكل وعن الأمل وليس الألم وعن الحلم المنشود وليس الواقع المزري، إن كل هذه العقد قد وقفت حائلاً في سبيل تطور الفكر في أمتنا، وكان نتيجتها أن ساهمت في زيادة الشعور بالإحباط واليأس، ودخلنا في دوامة الهروب والانهزام من الحاضر إلى التغني بأمجاد الماضي، وهذا ما يجعلنا تصرفاتنا سلبية، وغير واقعية، وبعيدة عن خط الحضارة في الفكر.

 

 بقي أن نقول إن هذه الأزمة الفكرية بدأت في الزوال ولله الحمد، وقد أدرك معظم مثقفي هذه الأمة هذه الأزمات، وبالتالي فهذه الخطوة الأولى المباركة في حل أزمة التخلف الفكري، ولكن ما يزال المشوار طويلاً، والعمل المنجز قليلاً، ولا بد من تسريع العمل للنهوض بفكر الأمة، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.

 

 

د. طارق محمد السويدان