أزمة الفاعلية

 

 

مقدمة

لم تقم أمة ولاحضارة في التاريخ الماضي ولاالحاضر إلا وكان لها نصيب من الأزمات، وواجهتها الكثير من العقبات، ورشقتها الأيام بسهام داميات،،، وهذا منعطف لابد منه، وسنة إلهية لامناص منها، لكن الأمة اليقظة والتي تملك عوامل الثبات هي التي تجعل من الأزمات عوامل دفع لتنهض من جديد، ولتبرز قوة عزمها وعدم استسلامها، ولتخرج أروع مالديها من فكر وإبداع، لأنها تصبح وقتها في معركة وجود ( أكون أو لا أكون ).

وما من عاقل يستطيع أن يجادل أو يماري في ضخامة الأزمات التي تمر بها أمتنا، وما من أحد ينكر أننا أصبحنا في مؤخرة الأمم وأصبحت حضارتنا شيء قريب من العدم،،، لكنني ورغم ذلك كله أرى أيد ترتفع بين الحين والآخر تعبّر عن وجودها وثباتها، وأشعر بقلوب كل همها أن تنهض بأمتها وتعود بها نحو الصدارة،، محاولات من هنا وهناك، وجهود تحاول أن تصل أو تكاد، وأصوات تضل طريقها أو ترتفع تارة وتخفت أخرى،، لكن هذا كله يدل على أننا أمة مازلت حية في وجدانها وعقلها، وفي وجدان الأمم الأخرى وعقولهم، وهذا مايبعث فينا الأمل ويعطينا مزيدا من القوة والصمود، ولهذا كانت هذه السلسة التي خصصتها للحديث عن أزمات أمتنا لعلها تكون لبنة من لبنات البناء أو صرخة من صرخات التنبه واليقظة

      نيراننا الحرّى وإن هي أخمدت    ستظل تغمر أفقهم بدخان

ولعل من أخطر الأزمات التي تمر بها أمتنا هي أزمة عدم الفاعلية وهي أزمة قاتلة ومدمرة، فمرحبا بكم في مقالة اليوم ودعونا نتناول جوانبها.

 

أزمة الفاعلية

الفاعلية أن يكون الشخص منتجا وفاعلا ومؤثرا في عمله ومحيطه ومجتمعه،، وأن يضيف شيئا لمن حوله كما يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي ( إذا لم تزد شيئا في دنياك كنت أنت زائدا على الدنيا )

والأمر ليس مقصورا على الإنتاجية في العمل فقط وإن كانت هذه أوضح صور عدم الفاعلية في مجتمعنا وأمتنا لكنها تشمل نواحي الحياة جميعا.

فلا الموظف ينتج وينجز بالقدر المطلوب، ولا الفرد يضيف لأمته، ولا المفكرون يبتكرون ويخترعون، ولا العلماء والمثقفون يغيّرون ويؤثرون، هذا كله يندرج تحت عدم الفاعلية والتي تشكل أزمة حقيقية، لأن قوى وطاقات الأمة مغيّبة ومعطلة، هذا كله عدا مايسببه من ضعف لتقدير للذات لدى الأفراد، حيث إنهم لايشعرون بأهميتهم ولا ضرورة عملهم.

 

 

البطالة والبطالة المقنعة

تشير بعض الدراسات أن نسبة البطالة في عالمنا العربي تصل إلى 15% وهي نسبة كبيرة جدا، كما أنها تزيد على ذلك في بعض الدول العربية ذات الكثافة السكانية وقد تنقص في بعض الدول العربية كدول الخليج، لكنه رقم كبير ومخيف.

هذا باتلنسبة للبطالة الظاهرة والواضحة والتي لم تجد عملا أصلا، وهذا النوع يموت الحماس في نفوسه تدريجيا كلما طالت مدة انقطاعه عن العمل بل يتحول إلى عالة وعامل ضغط على الاقتصاد والمجتمع.

لكن هناك نوعا آخر من البطالة وعدم الفاعلية لايقل خطورة عن النوع السابق وهو مايسمى ب ( البطالة المقنعة ).

والبطالة المقنعة تعني وجود عدد من الموظفين والعمال يتم توظيفهم ويتقاضون أجورا لكنهم لايؤدون عملهم ولاينتجون شيئا، وقد لاتكون هناك حاجة لتوظيفهم أصلا. فهم في الصورة موظفون وغير عاطلين عن العمل، لكنهم في الحقيقة لايعملون ولاينتجون ولا يضيفون شيئا لمؤسساتهم وشركاتهم ودوائرهم.

ولعل هذا النوع من البطالة ( البطالة المقنعة ) هو القسم الأكبر المنتشر في عالمنا وأمتنا العربية والإسلامية اليوم، وهناك إحصائيات ودراسات تشير إلى عظم هذه الأزمة وانتشارها ومن هذه الدراسات:

أن معدل إنتاج الموظف العربي في اليوم يعادل 15 دقيقة عمل فقط!!!

أن إنتاج العامل الإسرائيلي يعادل إنتاج 16 عاملا خليجيا!!!

إن إنتاج الموظف الأوربي يعادل إنتاج 20 موظفا سوريا!!!

هذا كله يدل ويؤكد ماقلناه أن إنتاج الموظف والفرد عندنا يكاد لا يذكر أمام مثلائه في الأمم الأخرى، أي أن أزمة الفاعلية عندنا حقيقية وليست مجرد أو هواجس.

 

الإنتاج العربي

من المؤكد أن إنتاجية الفرد أو الموظف أو العامل تؤثر بشكل كبير على الإنتاج القومي والعام، وهذا ماتؤكده الميزانيات والأرقام فمثلا:

بلغ الناتج القومي الإسرائيلي لعام 2006 ( 150 مليار دولار )

بينما بلغ الناتج القومي المصري لنفس العام ( 116 مليار دولار )

فإذا أخذنا بالحسبان أن عدد سكان مصر يفوق سكان فلسطين المحتلة ( والمسماة دولة إسرائيل ) بعشرات الأضعاف وأن مساحة أرضها أكبر منها بما لايترك مجالا للمقارنة ثم بعد ذلك يكون الناتج القومي الإسرائيلي أكبر من الناتج القومي المصري علمنا مدى عظم أزمة الفاعلية التي نتكلم عنها.

في حين أن الناتج القومي في الأردن ( وهي تعتبر مقاربة لما يسمى بدولة إسرائيل في المساحة وعدد السكان ) لنفس العام هو 16 مليار دولار فقط!!!

والناتج القومي اللبناني 22 مليار دولار فقط!!!

 

مظاهر عدم الفاعلية

1- انتشار البطالة بشقيها ( الحقيقية والمقنعة ) والتي تكلمنا عنها سابقا.

2- بطء الإنتاج والإنجاز في أغلب الدوائر والمؤسسات الحكومية وكذلك في كثير من الشركات الخاصة والجمعيات الأهلية.

3- عدم وجود أفكار جديدة ومبتكرة في شتى نواحي الحياة وبالقطاعين العام والخاص، بل الجديد يكون أصله فكرة مقتبسة من الغرب.

4- تدني مستوى الفرد في شتى المجالات ( المعيشيالثقافي ) وذلك مقارنة بالشعوب الأخرى.

هذه بعض مظاهر عدم الفاعلية وقد اقتصرت عليها مع وجود الكثير غيرها لعدم الإطالة ولأن بعضها يتداخل بين كونه مظهرا وكونه سببا لعدم الفاعلية، وقد ارتأيت أن أتكلم أيضا عن بعض الأسباب التي أوصلتنا لهذه الأزمة.

 

أسباب عدم الفاعلية

1- عدم الشعور بالمسؤولية، وهذا الانعدام بالشعور أسبابه كثيرة لكن من أهمها في مجال العمل عدم إحساس الموظف أنه يشارك في صنع القرار وأنه يعمل في المؤسسة كعنصر أساسي وحيوي.

2- عدم وجود محاسبة حقيقية وشاملة، فالكثير من المؤسسات الحكومية تخسر وتفشل ثم يكافأ مسؤولوها بترقيتهم لمناصب أعلى أو تثبيتهم في مناصبهم وكأنهم أنجزوا وتفوّقوا!!!

وبالطبع فإن المحاسبة ينبغي أن يقابلها تقدير ومكافأة ذوي الإنجاز والإبداع والتفاني وهو ماليس موجودا أيضا.

3- تغيب الكثير من الموظفين والمسؤولين عن أماكن عملهم ولفترات قد تكون طويلة في بعض الأحيان.

4- انشغال الكثير من الموظفين والمسؤولين أثناء تأدية عملهم بأمور ومشاغل خارجة عن عملهم ولاتفيده بشيء.

5- الروتين القاتل والممل في القوانين الحكومية وكثير من المؤسسات الخاصة أيضا والذي يكون في كثير من الأحيان عائقا أمام الموظفين والمستثمرين والمبدعين ليثبتوا وجودهم ويؤدوا بطريقة منتجة.

6- ضعف الرؤية والإدراك عند كثير من المسؤولين والذين يهتمون بالدوام والانضباط وتزلف الموظفين لهم أكثر من اهتمامهم بالإنتاج والإنجاز والفاعلية.

7- انتشار الواسطة في شتى المجالات وهو مايجعل الموظف أو العامل يهتم بها ويعوّ عليها أكثر من تعويله على عمله وجودته.

 

هذه جوانب مهمة وتستحق النظر والدراسة في هذه الأزمة الحقيقية والكبيرة في أمتنا، ولا شك أننا سنتطرق إلى رؤيتنا واقتراحاتنا لهذه الأزمة في الكلام عن حلمنا المنشود وإلى أن نلقاكم في مقال قادم بمشيئة الله نرجو من كل فرد سواء كان مسؤولا أو موظفا أو صاحب مال وعمل، نرجو أن يسأل كل نفسه: ماذا قدّم لأمته ولوطنه ولدينه؟ ماذا أضاف لهم؟ وماهي دنياه التي زادها؟؟

والله الموفق لأقوم طريق

                                               

                                          د. طارق محمد السويدان