مقومات الحضارة الإسلامية
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - فكر وتوعية - التاريخ الإسلامي

الحضارة الإسلامية قدمت وأضافت الكثير للحضارة الإنسانية، فالله سبحانه لخص في كتابه العزيز للبشر قوانين تحكمهم، إذا ساروا عليها أقاموا حضارة راسخة، ورسول الله ﷺ توفي وترك بشرًا معهم فكر ورسالة استطاعوا بهما صناعة حضارة في سنين قليلة، هذه الحضارة ربطت شرق الأرض بغربها، فما هي المقومات التي أقامت بها الأمة الإسلامية حضارتها؟

 

المقومات الإيمانية للحضارة الإسلامية

  • عقيدة موافقة للفطرة: لا يوجد عقيدة تتوافق مع فطرة البشر إلا الإسلام.
  • عبادة دافعة للعمارة: نحن الوحيدين الذين يقولون إن وليَّ الله يمكن أن يكون عسكرياً، طبيباً، مهندساً..
  • إيمان مقترن بعمل: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.
  • الدنيا معدّة للآخرة: وهنا تظهر الأمراض التي تعاني منها الأمة، فتجد الفصام الذي نعيشه بين إيماننا وتعاملنا في الحياة: امرأة تصلي في المسجد ثم تخرج منه وتخلع الحجاب، ورجل يصلي ويتعامل بالربا.
  • العلم المرتبط بالإيمان: العلاقة بين الدين والعلم علاقة ارتباط مُسَلَّمة عندنا نحن المسلمين، لكنها ليست كذلك عند غيرنا، وما نهضت أوروبا إلا لما تخلت عن الدين، أما نحن فأصابنا الانهيار والتخلف لمّا تخلينا عن ديننا.

 

لنفعم هذه العلاقة دعونا نتعرف على المصطلحات الآتية:

  • في الدين لدينا مصطلحين:

قطعي الثبوت: إذا جاء نص لا شك فيه ثبوته، مثل: آيات القرآن الكريم – الحديث المتواتر.

قطعي الدلالة: المعنى واضح لا شك فيه، عدد الصلوات المفروضة – حرمة لحم الخنزير.

  • وفي العلم مصطلحين أيضاً:

حقائق: ما أثبته العلم بالدليل والبرهان.

نظريات : رأي علمي محتمل لم يثبت بالدليل والبرهان بعد.

 

من ذلك نستنتج القواعد الآتية:

  • إذا جاء نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة فهو الحاكم: آدم عليه السلام خلقه الله من تراب، أما العلم فنظرية دارون تقول: أن الإنسان أصله قرد وبينه وبين القرد حلقة مفقودة، تعارضا فنقدم الإيمان.
  • إذا كان العلم قطعي والدين قطعي لا يمكن ومستحيل أن يصطدما: لأن كل منهما من عند الله تعالى.
  • إذا كان العلم قطعي والدين ظني: كروية الأرض حقيقة علمية، أما الدين فظني لورود آيات تشير أن الأرض مبسوطة، وورد آيات أنها مكورة، لذلك هنا يُفَسَّرُ الدين بما يوافق الحقائق العلمية.
  • إذا كان الدين ظني والعلم ظني: فنتمسك بالدين إلى أن يتضح العلم أو ينهار.

 

المقومات التشريعية للحضارة الإسلامية

  • العقل المهتدي بالوحي: في العبادات لا دور للعقل لأنه إن فعل؛ أصبح الإنسان يعبد الله كما يريد هو لا كما يريد الله عزّ وجل، وهذا مخالفٌ للعقل فالأصل في العبد لزوم إرادة ربّه، وأما في المعاملات فالأصل فيها مصلحة البشر كما يقول ابن القيم: (أينما كانت مصلحة البشر فثمّ دين الله)، لذلك نتعامل مع الوحي على أنه أساس ثم نتأمل فيه ونفتش عن المصالح والمقاصد.

 

  • التشريع المحقق للمصالح: لا نصادم الوحي ولكن نستخرج البدائل المحققة للمصالح، لذلك قيل: (العلم رخصة من عالم، أما التشدد فيحسنه كل أحد)، ولذلك العلماء الحقيقيين هم الذين يقولون: (هذا حلال اعملوه، وهذا حرام اتركوه والبديل له هذا).

 

  • العدل المؤيد بالإحسان: هدف التشريع إقامة العدل بين الناس، ولكن مفهوم العدل عندنا مختلف عن غيرنا من حضارات؛ فهو لا يخضع لفكر البشر فقط بل للإحسان الذي هو (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

 

فسورة الطلاق أكثر سورة فيها أمرٌ بتقوى الله تعالى بالنسبة لعدد آياتها؛ لأن الإنسان في حالة الطلاق أحوج ما يكون لاستشعار مراقبة الله له فلا يظلم بسبب غضبه، لذلك كان العدل عندنا مرتبط بالتربية وغرس تقوى الله في النفوس.

 

  • الحقوق المتوازنة مع الواجبات: فلا يجوز أن تأخذ الدولة من مواطنيها واجباتهم ولا تعطيهم حقوقهم، كما لا يجوز أن يطالب المواطنون بحقوقهم وهم لا يؤدون واجباتهم، لذلك أي تشريع يجب أن يقوم على توازن بين الحقوق والواجبات.

 

  • وازع الدين يكمل بوازع السلطان: هناك بعض الناس ينفع معهم وازع الدين وهناك البعض لا بدّ للتعامل معهم من الإكراه بالسلطان، ولأن التشريع كامل فنزل لهؤلاء وهؤلاء (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).

 

شريح القاضي عينه عمر بن الخطاب قاضياً يتحاكم الناس إليه: جاء بعد عام طالباً الاستقالة لأنه لم تأته قضية واحدة؟! الوازع الديني كان عالياً عند الناس، ثم ما لبث أن اختل التوازن عند الناس فوصل بأحدهم لطعن الخليفة عثمان رضي الله عنه تسع طعنات وهو يقول: ثلاث لله وست لما في نفسي عليك.

 

أمثال هؤلاء الذين يخرجون فيكفرون المسلمين باسم الدين: علمنا الإمام علي بن أبي طالب منهج التعامل معهم بفعله مع الخوارج، بداية نحاورهم ونناقشهم طالما الموضوع بقي فكرياً فالرأي يواجه بالرأي، أما إذا بدأوا يقتلون الناس فعندها نقاتلهم، هذا هو التكامل بين وازع الدين ووازع السلطان: فلو كان الأمر فقط وازع السلطان لقتلهم سيدنا علي من أول ما بدأ ينشرون أفكارهم.

 

المقومات الأخلاقية للحضارة الإسلامية

  • أخلاق ترتقي بالإنسان: ليس عندنا مصطلح اسمه حرية أخلاقية، محمد قطب يقول: (لو تتبعت النيل وبدأت من منابعه في أدغال إفريقيا لوجدت أناس عراة يعيشون في حياة بدائية يعتبرهم الناس متخلفين حضارياً، ولو أكملت مع النيل إلى المصبّ ستجد أناس عراة ولكنهم يعتبرون حضاريين)؟!

هذا التناقض عند البشر جاء الإسلام ليعالجه ويجعل للأخلاق هدفاً هو الرقي بالإنسان.

  • حرية التي تخدم الفضيلة: ليست مسخرة لتلبية أهواء الإنسان وشهواته، فالحرية يجب أن يكون لها حدود ومقاييس هدفها خدمة الفضيلة، وليس حرية تنحط بالإنسان إلى الحيوانية.
  • فن ملتزم بقيم: الفن جزء من الحضارة ومن الإسلام، ويهدف لتعزيز القيم وترسيخها.
  • إبداع محكوم بإتباع: الإبداع ليس غاية بحد ذاته وإنما هو وسيلة للنهوض بالحضارة، وله ثلاثة ضوابط رئيسية: 1) الالتزام بالشرع 2) أن يكون له هدف 3) عدم مخالفة العرف السليم.
  • العلم الملتزم بالدعوة: فنحن ندرس الرياضيات ونتقرب إلى الله عزّ وجل، والعلم عندنا ملتزم بالدعوة وخادم لها.

 

المقومات العملية لبناء الحضارة الإسلامية

  • الجسم الممدود بالروح: الجسم ليس غاية، وجسمك أيها الإنسان ليس ملكاً لك، وإنما هو ملك لله وأنت مؤتمن على استعماله فيما يرضاه الله.
  • قوة تدافع عن الحق: مطلوب من المسلمين أن يكونوا أمة قوية؛ ولكن ليس لاستعباد الناس والاستيلاء على ثرواتهم، فسيدنا أبو عبيدة بن الجراح أعاد لأهل حمص الجزية التي أخذها منهم عندما اضطر للانسحاب، وانسحب جيش المسلمين من سمرقند؛ لأن أهلها اشتكوا أنهم لم يخيروا قبل أن يبدأ القتال.
  • المال يكتسب من حلال وينفق في حق: المال في أصله ليس شراً بل: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، ولكن يوصف الدين عند بعض الأمم بأنه ابتعاد عن المال، وللأسف أصبح ذلك عند بعض المسلمين.
  • الجسد المتوازن مع الروح والعقل: ليس عندنا في ديننا عزلة عن الناس، بل إعطاء كل من الجسد والروح والعقل حقه، رأت الشفاء فتياناً يقصدون في المشي ويتكلمون رُويداً فقالت: (ما هذا؟ فقالوا: نُسّاك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقاً).
  • التربية التي تكمل التشريع.

 

المقومات الجماعية لبناء الحضارة الإسلامية

  • الفرد المنتظم في أسرة ومجتمع: ليس لدينا في الإسلام شيء اسمه الفردية كما هو مبدأ عند الغرب، فنحن نرى الفرد كجزء داخل الأسرة.
  • المجتمع لا يطغى على الفرد: يبقى للفرد خصوصيته وحريته وقراراته.
  • الدولة تقيم الدين: فالعلمانية مرفوضة عندنا، والدولة إن لم تقم الدين فلا طاعة لها، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.
  • الشورى التابعة للوحي: مصدر السلطات عندنا هو الوحي ثم الشعب وليس الحاكم.
  • الأمة المنفتحة على العالم: لا يوجد أمة ترجمت الحضارات كما فعلت الأمة الإسلامية، فترجمة الإنجيل كانت في القرن الأول الإسلامي، بينما لم يوجد ترجمة للقرآن إلا بعد أربعة قرون، ولا يمكن أن تنهض حضارة دون انفتاح وحرية.

وفي الختام: لا تنسى مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء

كما يمكنكم الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

ما هي المقومات التي أقامت بها الأمة الإسلامية حضارتها؟

1-مقومات إيمانية.
2-مقومات تشريعية.
3-مقومات أخلاقية.
4-مقومات عملية.
5-مقومات جماعية.

اترك تعليقاً