سيرة الامام العز بن عبد السلام وعلاقة العلماء بالحكام
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - التاريخ الإسلامي - جديدنا

خرج سلطان مصر نجم الدين أيوب في زينته وأبهته، وقد اصطفّ العسكر من حوله، وأقبل الأمراء يقبلون الأرض بين يديه، وإذ بشيخ يأتي ويصرخ على السلطان دون ألقاب: أيوب.. يا أيوب.. ما حجّتك عند الله، إذا قال لك ألم أبوّء لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟!

فقال السلطان: هل جرى هذا؟ قال: نعم في المنطقة الفلانية، قال: يا شيخ هذا من زمن أبي ولم أفعله، قال: أنت من الذين يقولون: {إنا وجدنا آباءنا على أمة}؟!

فاعتذر السلطان وأمر بإزالة الحانة.

لحق الإمام الباجي -راوي القصة- بشيخه وقال: يا شيخ كيف تجرأت عليه، فقال: يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه حتى لا تتكبر نفسه فتؤذيه.

فقال: أما خفته يا سيدي؟ فقال: يا بني استحضرت هيبة الله فصار السلطان أمامي كالقط.

هذا الشيخ هو سلطان العلماء العز بن عبد السلام عالم الشام ومصر.

من هو الامام العز بن عبد السلام ؟

كان العز بن عبد السلام يعيش في أسرة فقيرة، وكان يبيت في المسجد الأموي فلا مكان له وكان يعمل قريباً منه، وفي ذات ليلة سمع نداء وهو نائم: يا ابن عبد السلام، تريدُ العلم أم العمل؟ فقال: (العلم لأنه يهدي إلى العمل)، وفي الصباح أخبر برؤياه الشيخ ابن عساكر فأخذ بيده في طريق العلم.

قصة الإمام العز بن عبد السلام

بدأ بكتاب التنبيه في فقه الإمام الشافعي فحفظه، ثم أقبل على العلم حتى فاق أقرانه، وبلغ رتبة الاجتهاد وصار أعلم أهل زمانه، ولم يكن الشيخ عالماً فحسب بل كان واعياً للأحداث التي تعصف بالأمة من حوله، فشهد غزو المغول لعاصمة الخلافة بغداد حتى وصولهم إلى فلسطين، وعاش نصر معركة عين جالوت، وكان مثالاً للعالم العامل.

العلاقة بين الحاكم والمحكوم مباشرة

استقر الأمر في مصر للملك الصالح نجم الدين أيوب عام 638هـ، وكان رجلاً مهيباً قوياً ذي تقوى وصلاح، عزم على توحيد مصر والشام، فاستبدّ الخوف بعمه حاكم الشام الملك إسماعيل، فخان المسلمين وتحالف مع الصليبيين وسلّم لهم حصون: (صيدا – الشُّقيف – صَفَد)، ثم سمح لهم أن يشتروا السلاح من دمشق.

يومها كان الشيخ العز بن عبد السلام خطيباً للجامع الأموي، وهذا المنصبُ حساسٌ وخطيرٌ؛ يعرُّض صاحبه لسخط الناس ولبطش الحكام، ولكن الشيخ بهمته أحيا رسالة المنبر.

موقف العالم من خيانة الحاكم

لما بلغ الإمام العز بن عبد السلام خيانة الملك إسماعيل صعد المنبر:

  • ذمّ موالاة الأعداء، وقبّحَ الخيانة، وشنع على السلطان
  • قطع الدعاء له، ودعا بما يوحي بخلعه

ثم قال: (اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد تُعزُّ فيه وليَّك، وتُذلُّ فيه عدوّك، ويُعمل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك).

موقف الحاكم الخائن من العلماء

وصل الخبر للملك:

  • أمر باعتقال الشيخ
  • ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية في بيته
  • ومنعه من الفتيا
  • اضطرب الناس في دمشق لما فعله الملك، فأرسل للشيخ يسترضيه مقابل أن يٌقبّل يده، فقال الشيخ للرسول: (يا مسكين والله لا أرضى أن يُقبِّل هو يدي، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به).
  • عندها أمر الملك بنفيه من الشام، فخرجت دمشق تودعه، ثم اتجه نحو مصر التي استقبله ملكها وعيّنه خطيباً لجامعها الكبير جامع عمرو بن العاص، ثم عيّنه قاضياً لمصر.

علاقة العالم بتحصيل الحقوق من الحكام

إذا كانت الخطابة قد أودت به في الشام للسجن والنفي؛ فإن القضاء في مصر كاد يورده المهالك، ذلك أن الملك نجم الدين أيوب كان قد ستكثر من العبيد والمماليك ليستعين بهم على الجهاد، فدرّبهم ثم تدَّرجوا في المراتب حتى أصبحوا قادة للجيش.

انتبه للأمر الشيخ العز بن عبد السلام فنظام الرق لا يسمح لهم بإنفاذ المعاملات:

  • دعاهم سراً لمعالجة الموضوع فلم يستجيبوا له، فأصدر أمراً بعدم إنفاذ معاملاتهم بين الناس، وتعطلت مصالحهم، عندها جاؤوا للشيخ سائلين عن الحلّ، فقال: (لا بُدّ من تحريركم من الرِّق ببيعكم، ثم تذهب هذه الأموال لبيت مال المسلمين).
  • استعظموا الأمر ولجأوا للملك الذي أغلظ للشيخ بالقول طالباً منه عدم التدخل في المسألة، فما كان من الشيخ إلا أن عزل نفسه عن القضاء وقرر الرحيل عن مصر.
  • لما همّ بالرحيل وخرج معه الناس في مصر محبة له وتعظيماً لما يمثله، فالناس بشكل عام -وإلى يومنا هذا- تحبُّ العلماء وتفضلهم على الحكام، عندها لحق الملك شخصياً بالشيخ يسترضيه حتى وافق الشيخ بشرط أن ينفذ قراره،
  • قام الإمام العز بن عبد السلام بعمل مزاد بدأ يبيع فيه هؤلاء القادة والأمراء ووضعت الأموال في بيت مال المسلمين، وبعد هذه الحادثة انتشر سيط الشيخ وصار مجددَ عصره، ولُقّبَ ببائع الملوك وسلطان العلماء.

تسلط الحاكم الظالم

بعد عام واحد من حادثة بيع المماليك، بلغ الشيخ أن الوزير “ابن معين” صاحب المكانة عند الملك؛ تجرّأ وبنى “طبل خانة” (قاعة لسماع الأغاني) فوق أحد المساجد، فتأكد الشيخ وأمر بهدم البناء، ثم عزل نفسه عن القضاء فراجعه الملك وتلطف له، لكن الشيخ طلب من الملك اعفاءه من القضاء، ثم تفرغ للتعليم والفتيا.

دور العالم وعمله

كان الإمام العز بن عبد السلام لا يحب الفتوى ولكنه يجد نفسه مضطرّاً لها، ولكن إذا تبين له أن فتواه كانت خاطئة؛ فإنه كان يمشي في أسواق مصر ويقول: (من أفتى له ابن عبد السلام بكذا فلا يعمل به).

وكان يقول عن دور العلماء:

أنواع الجهاد في الإسلام

  • نوع بالجدل والبيان
  • ونوع بالسيف والسنان

وقد أمرنا الله تعالى بالجهاد في نصرة دينه، إلا أن سلاح العالم علمه ولسانه، كما أن سلاح الملك سيفه وسنانه، فكما لا يجوز للملك إغماد سيفه عن الملحدين والمشركين الذين يقاتلوننا، فلا يجوز للعلماء إغماد أسلحتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن ناضل عن الله كان جديراً؛ أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام، وبعزه الذي لا يُضام، ويحوطه بركنه الذي لا يضام، ويحفظه من جميع الأنام.

دور العالم القيادي وقت الأزمات

وتمضي السنون حتى عام 657هـ والشيخ قد بلغ من عمره 80 عاماً، في ذلك الوقت يتقدم المغول نحو الشام بعد أن أسقطوا بغداد، فأرسل الناصر ملك الشام يطلب النجدة من مصر، وملك مصر قد توفي وولي العهد صغير في السن، و بيت مال المسلمين خاوي من الأموال.

عندها اجتمع القائد قطز بأعيان مصر وهو يريد أن يفرض الضرائب على الناس، عندها وقف الشيخ العالم العز بن عبد السلام وطالب بالآتي:

خلع ولي العهد لصغره، وتولية قائد الجيش قطز فوافق الجميع، ثم التفت إلى الأمراء والقائدة وقال: (إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على الإمام قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط:

  1. ألا يبقى في بيت المال شيء
  2. وأن يبيع الأمراء والقادة والعائلة الحاكمة كل ما عندهم من نفائس
  3. ويبيع الجنود ما يملكون ولا يبقون لديهم سوى السلاح والخيل
  4. ويتساوى الجميع مع عامة الناس

وفعلاً حصل ما قاله الشيخ، وتقدم جيش المسلمين عام 658هـ إلى عين جالوت وانتصر على المغول، وكان شعار المسلمين وقتها (واإسلاماه)، وبعد سنتين توفي الإمام المجدد العز بن عبد السلام، وعمره 83هـ وخرج الناس في جنازته وصلى عليه الملك الظاهر بيبرس، وصلى عليه الناس في جميع الأمصار صلاة الغائب.

طبيعة العلاقة بين العلماء والحكام

  • تعتمد على موقف الحاكم نفسه من الحق والعدل:

فإذا كان الحكام من أهل الأهواء والشهوات: عندها سيرون العلماء المخلصين عاملاً في الحدِّ من رغباتهم وتقويض سلطانهم، وبالتالي سيعادونهم ويشوّهون صورتهم وينكلون بهم إهانة وحبساً وقتلاً.

أما إذا كان الحاكم من أهل الحق والعدل، ومن الذين أخلصوا لربهم وتحملوا مسؤولية شعوبهم وقاموا بمصالح رعيتهم، عندها سيستعينون بالعلماء الصالحين ويتقربون بهم إلى شعوبهم، ويحرصون على مجالستهم والاستفادة من علمهم ويطلبون منهم النصح.

  • ضاع تأثير العلماء لمّا أكبّوا على أبواب السلاطين يستجدونهم الرضى والقبول، ويرجون ما عندهم من فضلات الدنيا، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يَعُمَّهم الله تعالى بعذاب منه»، فإذا لم يكن العلماء هم الذين يتصدون للظالمين ويجبرونهم على الحق إجباراً فمن إذن.

ختاماً: يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام:

(ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأهمل الصواب؛ أن يبذل جهده في نصرهما).

وأخيراً يمكنكم الإستفادة والإطلاع على المزيد من المقالات:

القيادات المستقبلية و السيرة النبوية

اترك تعليقاً