الغاية تبرر الوسيلة لـ ميكافيلي – د. طارق السويدان
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - جديدنا

هل الغاية تبرر الوسيلة؟ البعض سيستعجل ويقول طبعاً الغاية لا تبرر الوسيلة، ولكن إذا كان هذا الأمر هكذا فكيف سنفسر حيلة سيدنا يوسف واستخلاصه لأخيه من بين إخوته؟ وكيف سنفهم حيلة الصحابي نعيم بن مسعود عندما كذب لتخذيل المشركين في غزوة الأحزاب؟ وفي الواقع الكثير من الناس يفعلونها..

من هو ميكافيلي ؟

هذه الشخصية لا تزال المعلم الأكبر للقادة والحكام والسياسيين، ولد عام 1469م في فلورنسا في إيطاليا وفي وقت كانت إيطاليا فيه في قمة الهيجان السياسي، فكانت مقسمة إلى أربع مدن رئيسية كل واحدة منها دولة تهيمن عليها عائلة ثرية، ولذلك كانت تحت رحمة الدول الأوروبية القريبة منها.

منذ عام 1434م أي قبل ميلاد “ميكا فيلي بـ 35 سنة كانت فلورنسا تحت حكم عائلة “ميديشي” التي أقامت حكماً وراثياً استبدادياً لكن الشكل الظاهر ديموقراطي مرتبطاً بالأنظمة الجمهورية القديمة التي ورثوها، وشبَّ ميكا فيلي في عهد “لورينزو العظيم” الذي اعبر عهده ذهبياً للنهضة الأوروبية والإيطالية؛ لأنه كان أديباً وشاعراً يهتم بأهل العلم والأدب والفن فتطورت الدولة وعاشت برفاهية.

الشخصية الميكافيلية

عاش ميكافيلي كبقية الشباب حياة البذخ التي لم يعرفها آباؤهم، وكانت أهدافهم البحث عن الجمال واللعب والنساء، ومن هذا الواقع تأثرت نظرته للناس -وهي للأسف نظرة الكثير من الحكام وسياساتهم اليوم-:

  • كان يؤمن أن الناس تسيطر عليهم الرغبات والشهوات
  • أهم شيء لدى الناس هو: حبّ البقاء والأمن، وليس القيم والأخلاق
  • يميلون لتقليد من يقودهم ولا يفكرون وبالتالي يسهل التلاعب بهم
  • معظم الناس أنانيين نظرهم قصير متقلبون يسهل خداعهم

صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة

الأخلاق والسياسة

  • تقوم نظرية ميكافيلي على إلغاء النظرة الأخلاقية التي تحكم السياسة، على خلاف النظرية السابقة التي كان دور الدولة فيها تنمية الأخلاق العامة للشعب، فكانت نظريته جعل الهدف الرئيسي للدولة هو الأمن وزيادة رفاهية الناس.
  • ألغى مبدأ الحق والباطل، والصح والخطأ، واستبدله بمصلحة الشعب وحماية الشعب وأمن الشعب.
  • القائد الجيد: هو الذي عنده حبُّ عالي للبقاء ويطمح وأهله أن يكونون أغنياء، فالطمع والطموح هو الذي يصنع القائد الجيد.
  • قدّم مجموعة نصائح للقائد الجيد هدفها تحويل صفات الطموح والطمع الشخصية إلى ما ينفع الدولة.
  • يفرّق بين الفضيلة الشخصية التي يجب أن يمارسها الفرد حسب القيم المسيحية، والفضيلة للقائد التي يجب ألا تنبع من الدين، وإنما من القيم الرومانية للمحاربين القدماء التي هدفها المجد والثروة.
  • طبيعة القائد الطموح الذي يسعى لمجده وثروته تنسجم تماماً مع نظرة العامة للقادة.
  • عندما يريد القائد اتخاذ القرار فعليه الاستفادة من التصرف الواقعي للناس وليس الأخلاقي.
  • الناس ينطلقون من الأنانية وليس الإيثار.

العنف السياسي

  • العنف والقوة أمر أساسي للحكم؛ لأنه يولد الخوف الذي يتمكن الحاكم به من السيطرة على الشعب
  • القائد المهاب أفضل من القائد المحبوب؛ لأن المحبة والهيبة لا يجتمعان إلا نادراً
  • القائد الذي سيحكم على أن يمتلك صفات القائد العسكري: الشجاعة – الانضباط – النظام
  • أساس الحياة السياسية المؤامرات؛ لذلك يعتمد القائد على المخابرات والتجسس

التآمر السياسي

كان ميكافيلي أول من طرح نظرية متكاملة للتآمر السياسي:

  • الخداع والتآمر مرفوض في الحياة الشخصية لكنه ضروري للنجاح السياسي وفيه مصلحة الشعب
  • على القائد أن يدرك أهمية عدم الالتزام بالوعود: فعليه أن يعد بأشياء حتى يسيطر ثم يفعل أشياء أخرى
  • الغاية تبرر الوسيلة هو المبدأ الأساسي وليس القيم الأخلاقية.

أفكار ميكافيلي السياسية

عام 1494م سقط حكم آل ميديشي فجأة، وظهر راهب دومنيكي اسمه “سفو نرولا” سيطر على الحكم وأعاد الجمهورية وأقام حكومة دينية مسيحية في فلورنسا، ودعا الناس لحياة التقشف بعيداً عن حياة البذخ والرخاء، ثم ما لبث أن وصل به الأمر إلى التسلط باسم الدين وأصبح دكتاتورياً، ولم يطل به الأمر حتى انهارت حكومته وأعدم وأحرقت جثته عام 1498م، وكتب عنه ميكافيلي كتاباً كاملاً وأسماه في كتابه الأمير النبي غير المُسَلّح.

بعد سقوط حكم الراهب أيَّد ميكافيلي الحكومة التالية، وتدرج في المناصب فيها حتى أصبح سكرتيراً للمستشارية الثانية وهي التي تشرف على الشؤون الخارجية والعسكرية، واستمر فيها 12 سنة حتى عام 1512م حيث حدث مالم يكن متوقعاً؛ وهو عودت عائلة ميديشي للحكم، واتهموا ميكافيلي بالتآمر ضدهم فسجن وعذّب ثم أطلقوه فاختار حياة العزلة في الريف، فعاش بين الحطابين والبسطاء حياة بسيطة يسمع منهم أخبار الدولة ويلعب النرد.

كتاب الأمير ميكافيلي

  • يقول ميكافيلي عن حياته: (عندما كان يحل المساء أعود إلى البيت، وأدخل إلى المكتبة، بعد أن أنزع عني ملابسي الريفية التي غطتها الوحول والأوساخ، ثم أرتدي ملابس البلاط والتشريفات، وأبدو في صورة أنيقة، أدخل إلى المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملؤون كتبها، فيقابلونني بالترحاب وأتغذى بذلك الطعام الذي هو لي وحدي، حيث لا أتردد بمخاطبتهم وتوجيه الأسئلة لهم عن دوافع أعمالهم، فيتلطفون علي بالإجابة، ولأربع ساعات لا أشعر فيها بالقلق، وأنسى همومي).
  • في هذه الفترة وضع معظم نظرياته وألّف كتابه الأمير، وحاول في البداية التقرب من “لورينزو الثاني” ومن عائلة ميديشي ولكن دون جدوى، ثم تحسنت الأمور عندما منح الحكام صلاحيات للناس وخففوا عنهم القيود فتحسنت أحوال ميكافيلي وطلب منه الكاردينال دي ميديشي تأليف كتاب تاريخ فلورنسا؛ الذي شغله حتى عام 1525م، ثم في عام 1527م سقط حكم آل ميديشي من جديد، وفي نفس العام مرض ميكافيلي ومات.
  • كتاب الأمير الذي ألفه ميكافيلي عام 1213م لم يطبع إلا بعد وفاته عام 1513، كما حورب الكتاب ومنع حتى إن الكنيسة أصدرت قراراً بتحريم قراءة كتب ميكا فيلي، إلا أن الكتاب انتشر وصار يحكم السياسة إلى اليوم.

أقوال ميكافيلي

  • الغاية تبرر الوسيلة: وبه برر لقائد القيام بأي شيء في سبيل الحفاظ على حكمه، ورأينا أثر هذا في تدمير شعوب وبلاد مقابل بقاء حاكم في سلطته.
  • حبي لنفسي فوق حبي لبلادي: رأينا حكاماً أغرقوا دولهم بديون حتى لا بفكر شعبهم إلا بلقمة العيش.
  • من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك، والقائد المُهاب أفضل من القائد المحبوب، لذلك كان كرومويل القائد العسكري الإنكليزي يقول: (تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهونني، وما أهمية ذلك إذا كان العاشر وحده هو المسلح).
  • إن الدّين ضروري للحكومة لا خدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس، لذلك كانت عبارة “الدين أفيون الشعوب”.
  • ليس أفيد للحاكم من ظهوره بمظهر الفضيلة: لذلك ترى وسائل الإعلام تنشر صور المستبدين في المناسبات الدينية، رغم أن سجونهم مملوءة بالدعاة والعلماء.

الاسلام في الغاية لا تبرر الوسيلة

  • الأحكام الشرعية وضعها الله سبحانه وتعالى لتحقيق مقاصد الشريعة، وحدد الوسائل التي توصل إلى الغايات، لذلك يجب أن يكون الهدف مشروعاً والوسيلة مقبولة شرعاً.
  • يوسف عليه السلام توصل بحيلة لغايته من إخوته ولكن هذه الحيلة لا تخالف الشريعة، أما ما فعله نعيم بن مسعود فهو جائز شرعاً وقت الحرب (الحرب خدعة).

وفي الختام

لا تموت الأفكار بموت صاحبها.. وميكا فيلي لا يزال يحكم في الأرض.

وأخيراً يمكنكم الإستفادة والإطلاع على المزيد من المقالات:

القيادات المستقبلية و تذوق الجمال

اترك تعليقاً