نظرية المؤامرة بين الواقع والخيال
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - جديدنا

يكثر الحديث اليوم عن نظرية المؤامرة في الأوساط العامة، ولكنه يقل كحوار وتنضيج، فهل نظرية المؤامرة واقع أم خيال؟

بدأ الصراع بين الحق والباطل والخير والشر منذ بداية الزمن {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض}، والأحداث العظام التي تتوالى على أمتنا نتيجة لهذا الصراع، كما أن الأمم والدول لديها مصالح تسعى لتحقيقها فيحدث هذا الصراع بسببها أيضًا، هذا ما يقوله رافضي نظرية المؤامرة، فماذا يقول المؤمنون بها؟

 

ما المقصود بنظرية المؤامرة؟

يرى بعض الناس أنّ هذه الأحداث العظام التي عصفت وتعصف بأمتنا ليست عفوية (فعل ورد فعل)، بل إنها نتيجة تخطيط وتدبير، وهي جزء من مؤامرة كبرى يقوم بها الغرب بهدف السيطرة على هذه الأمة وإيقاف الخطر الأخضر الذي يسمونه “الإسلام“، وهؤلاء الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة لهم أدلة تتنوع بين: (مسائل شرعية – وثائق وأدلة).

 

أدلة المؤمنين بنظرية المؤامرة

[أ. زياد أبو غنيمة]

  • قطرات الدم التي سفكت من هذه الأمة: بدءً من دم أول شهيدة في الإسلام إلى يومنا هذا، والتي لو اجتمعت لنافست محيطات الأرض، ليست نتيجة أحداث عرضية بل إنها تشكل دليلًا واضحًا على هذه المؤامرة.
  • هدف العداء والصراع منذ البداية هو ديننا: يقول الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ}، وهذا ثابت لم يتغير ومستمر {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
  • القضية ليست قضية مصالح: فنحن لسنا ضد تبادل المصالح مع الغرب، ومع الطرق السلمية في ذلك، ولكنهم يتآمرون ضد وجودنا، وإلا فما الحاجة للصراع طالما أننا نستطيع تبادل المصالح؟

 

أدلة الرافضين لنظرية المؤامرة

  • الصراع بين الأمم نتيجة تلقائية لتضارب المصالح.
  • الأحداث جاءت من جهات مختلفة وليست من جهة واحدة: لا خلاف على وجود أعداء لأمة الإسلام، كما أننا بادرنا إلى الصراع في الفتوحات، والصراع لا يستهدف أمتنا فقط بل انه قائم بين جميع الأمم.
  • إذا ربطنا كل شيء بالخارج فماذا نفعل نحن؟ يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، كما قدّم المفكر مالك بن نبي مصطلح “القابلية للاستعمار” للدلالة على أننا إن لم تكن مهيأين للمؤامرة فلن تأتينا.
  • الشيطان الذي هو عدو أساسي لم يذكره القرآن الكريم بأنه سبب في كثير من القضايا (قتل قابيل لهابيل – وآدم عليه السلام لم يتهمه بل اتهم نفسه).
  • الدول جميعها لها مصالح وقضايا ومخططات، ولكن الفرق كبير بين الدخول لهذه اللعبة السياسية بمنطق المؤامرة الأعمى، وبين أن أقرأ هذه التفاعلات والتوازنات فأدرك أين تقع مصالحي منها.
  • هناك أحداث كبرى جرت في العالم ولم نكن نحن طرفًا فيها (الحربين العالميّتين)، لذلك العالم لا يتآمر علينا ويجب ألا نتلذذ بشعور الضحية.

 

أسباب ظهور نظرية المؤامرة

المقصود بالمؤامرة هو العداء للإسلام، وهذا موجود منذ بدء بعثة النبي ﷺ، ولكنها اليوم بهذا المصطلح كبّرت وضخّمت أكثر من اللازم نتيجة حالة الضعف التي نحن فيها، فلأننا ضعاف فنحن نسقط مشاكلنا على شمّاعة المؤامرات.

 

أنماط نظرية المؤامرة

  • قد نخطئ نحن فيستغل ذلك المتآمرون، ومعظم مصائبنا مما يقدمه أبناء جلدتنا من أسباب ومبررات لأعدائنا.

وهذا دليل يؤيد رافضي نظرية المؤامرة، فالتآمر عبارة عن فعل ورد فعل، فالغرب لم يخططوا لنا لنخطئ فيستغلوا ذلك.

 

  • ألا تنشر نظرية المؤامرة في أمتنا الخوف من جهة تديرنا وترتب أمورنا؟ ويثير في نفوس شبابنا اليأس فكأننا معدومي الإرادة وهم يتصرفون بنا كما يشاؤون؟

يجيب المؤيدون لنظرية المؤامرة: بالعكس هذا يدفع الأمة لتواجه هذه المؤامرة، فلو أننا استفتينا الناس: من هو مستعد للموت في سبيل هذا الدين؟ لما وجدنا متردد، والسبب أنّ الأمة استفزت بالمؤامرات.

 

البعد النفسي لنظرية المؤامرة

الأحداث الرئيسية التي أوصلتنا لما نحن فيه اليوم:

هل نحن من عملها والغرب من قام باستغلالها؟ أم أنهم من خطط لها أصلًا وبالتالي حدثت فاستغلوها؟

 

موقف الرافضين لنظرية المؤامرة

  • الغرب وصل من التخطيط والتنفيذ لمستوى يحسب الناظر فيه للأحداث أنهم من خطط للفعل؛ وذلك لأنهم استغلوا ردة الفعل بطريقة لا توحي للمتابع إلا أنهم من فعله، وهذا واضح لمن يعيش بينهم من أيام “نيكسون”، وشباب أمتنا لا يلامون في ظنهم أنّ الغرب: (خطط للحدث، وخطط للاستفادة من الحدث)؛ لأنهم يحسنوا الاستفادة من أخطاء الآخرين، فيظن الآخرين أنهم صنعوا الخطأ ذاته.
  • ولتأكيد ذلك يسألون: لماذا كلما حدثت مشكلة تظهر الوثائق بعدها، لماذا لا تظهر الوثائق قبل حدوث المؤامرات القادمة؟

 

موقف المؤيدين لنظرية المؤامرة

  • الحديث عن قدرة الأمريكان والغرب على التخطيط هذا هو الوهم، فعندما خططوا لغزو العراق قالت لهم دراساتهم وأبحاثهم أن العراقيين سيستقبلونهم بالورود، والنتيجة أنّ العراقيين استقبلوهم بالمقاومة، إذاً هم ليسوا بأذكياء وليست كل دراساتهم صحيحة.
  • نحن ليس لدينا معرفة بما تحيكه الدول وأجهزة مخابراتها، ورغم ذلك في عام (1981م) قام الأستاذ “ملحم التل” بتوزيع خطة (بلقنة) المنطقة -كما يجري الآن تمامًا في العراق وسوريا ولبنان-، وفي حينها اتهم الرجل بالجنون.

 

أمثلة عن بعض نظريات المؤامرة

  • “مايلز كوبلاند” في كتابه لعبة الأمم يقول: (كان هو شخصيًا أحد عناصر أول شبكة جاسوسية في القاهرة في مصر، والهدف الرئيسي لهذه الشبكة كان الحيلولة دون وصول الإسلاميين إلى حكم مصر).
  • “زبيجنيو بريجنسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد “كارتر” يقول: (هناك ثلاث فرضيات أساسية للسياسة الأمريكية: إحداها العمل على عدم التقاء البرابرة المسلمون مع الصينيين).
  • “جيمي كارتر” في عام (1970م) أمر بتشكيل لجنة خاصة في (CIA)؛ لوضع دراسة جديدة عن الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.
  • اليهود طبقوا ما قالته “بروتوكولات حكماء صهيون” بحذافيرها، وخصوصًا في مسألة السيطرة على الإعلام، فكانت وكالة رويترز التي أسسها يهودي.

 

ما المطلوب منا حيال نظرية المؤامرة؟

نحن سواء كنا نؤمن بنظرية المؤامرة أم لا، دعونا نتفق على أن الأهم من الحديث عنها والترويج لها ومحاولة إثباتها ونشرها، هو مواجهتنا لأنفسنا ونحل مشاكلنا وننظر في نقاط ضعفنا ونخطط لمصالحنا، فنحن من يعطي أعدائنا مجالًا ليتغلبوا علينا، لذلك علينا الانطلاق من أنفسنا، قال رسول الله ﷺ: « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت».

 

يجب علينا ألا نخشى المؤامرات وننشر اليأس في التغلب عليها: فالله سبحانه وتعالى أخبرنا فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}، وبينّ لنا حال المؤمنين معها: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}.

 

هناك نقاط التقاء بيننا وبين الحضارة الغربية: فليس كل ما بيننا صدام، وحرية التعبير ستنفع الإسلام أكثر من أي منهج آخر، فعلينا أن نتعاون فيها بشرط العدل والإحسان، كما علينا الحذر وقدم تسليم مقاليد أمورنا لهم، فهم رفعوا لنا شعارات الديموقراطية ولكنهم لا يزالون يرفضون التعاون مع أبرز من أفرزتهم الديموقراطية منا.

 

المواجهة غير محصورة في الجانب السياسي: فالفكر والأخلاق هما الأساس، وعلينا البدء بدراسة الفكر الغربي والصيني وغيرها من الأمم بدقة وواقعية بعيدًا عن التهويل والشعور بأننا مستهدفين.

 

الانتقال من جانب المشاعر إلى جانب العمل: كم عدد مراكز الدراسات التي لدينا بالمقارنة معهم؟ كم عدد الذين يحسنون العبرية منا بالمقارنة مع من يحسن العربية منهم؟ هم يخططون: هذا حقهم، هم يتآمرون: هذا هدفهم، هم يريدون مصالحهم: من ينكر عليهم؟! ولكن.. أليس لنا دين نريد أن ننشره؟! فأين جهدنا في ذلك؟!

 

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء

كما يمكنكم الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

غاندي والسلمية و القيادة الفردية المستبدة و الايمان وأهدافه

 

الأسئلة الشائعة

هل نظرية المؤامرة موجودة؟

بلى النظرية موجودة.

ما المقصود بنظرية المؤامرة؟

يرى بعض الناس أنّ هذه الأحداث العظام التي عصفت وتعصف بأمتنا ليست عفوية (فعل ورد فعل)، بل إنها نتيجة تخطيط وتدبير يقوم به الغرب بهدف السيطرة على هذه الأمة.

ما أسباب ظهور نظرية المؤامرة؟

العداء للإسلام موجود منذ بدء بعثة النبي ﷺ، ولكنه اليوم بهذا المصطلح كبّر وضخّم أكثر من اللازم نتيجة حالة الضعف التي نحن فيها، فلأننا ضعاف فنحن نسقط مشاكلنا على شمّاعة المؤامرات.

ماذا قال "مايلز كوبلاند" في كتابه لعبة الأمم؟

كان هو شخصيًا أحد عناصر أول شبكة جاسوسية في القاهرة في مصر، والهدف الرئيسي لهذه الشبكة كان الحيلولة دون وصول الإسلاميين إلى حكم مصر.

ما المطلوب منا حيال نظرية المؤامرة؟

نحن سواء كنا نؤمن بنظرية المؤامرة أم لا، دعونا نتفق على أن الأهم من الحديث عنها والترويج لها ومحاولة إثباتها ونشرها، هو مواجهتنا لأنفسنا ونحل مشاكلنا وننظر في نقاط ضعفنا ونخطط لمصالحنا، فنحن من يعطي أعدائنا مجالًا ليتغلبوا علينا.

اترك تعليقاً