وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - السيرة النبوية - جديدنا

اكتمل التشريع في حجة الوداع، وبلّغ رسول الله ﷺ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا}، ثم عاد إلى المدينة المنورة فجهز جيشًا لقتال الروم، وأمّر على الجيش أسامة بن زيد وكان شابًّا، وخلال ذلك خرج رسول الله ﷺ للبقيع -مقبرة أهل المدينة-، وهناك استغفر لأهلها ودعا لهم.

 

تخيير الرسول بين الحياة والموت

وفي البقيع أرى الله سبحانه نبيه المصطفى ما هو كائن من بعده، فالتفت وقال لأهلها: «هنيئًا لكم ما أنتم فيه، أقبلت الفتن يجرّ بعضها بعضًا»، ثم قال: «إنّي خيّرت بين خزائن الأرض والخلد فيها وبين لقاء ربي والجنة، فاخترت الجنة»، امتلأ قلبه ﷺ حبًّا وشوقًا لربه، فلم يعد يشغله كل ما في الدنيا، وعند ذلك أصيب النبي ﷺ بالصداع ورجع إلى بيت عائشة مريضًا.

 

تطبيب الرسول في بيت عائشة

وصل النبي ﷺ بيته والصداع شديد، فتلقته عائشة رضي الله عنها وهي مصابة بالصداع أيضًا، وتنقل أثناء مرضه بين بيوت أزواجه، ولما كان عند ميمونة اشتدّ به المرض وجعل يقول: «أين أنا غدًا -يريد بيت عائشة»، فاجتمعت نساؤه وأذنّ له أن يبقى لدى عائشة يطبب، فخرج النبي ﷺ يتهادى بين علي والفضل رضي الله عنهما، وإنّ قدمه لتخط الأرض من تعبه.

استمر مرض النبي ﷺ (14) يومًا، كان في أثناء مرضه يخرج للصلاة ويرجع إلا في أيامه الثلاث الأخيرة فإنه لم يستطع الخروج من المرض، واشتدت الحمى على النبي ﷺ يقول راوي الحديث: (وضعت يدي على رأس النبي ﷺ فوجدت حمّى ما استطعت أنْ أبقي يدي من شدتها)، ومن شدة الحمّى كان يغمى عليه ﷺ.

 

خطبة النبي في مرض موته

وفي يوم الجمعة (9 ربيع الأول 11هـ) تحامل النبي ﷺ على نفسه، وصلّى بالناس ثم جلس على المنبر، وخطب الخطبة التي عرفت بـ “خطبة مرض الموت”، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال:

«فإني أيها الناس أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خفوق من بين أظهركم: فمن كنت قد جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد مني، ومن كنت قد شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد مني، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي، ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ مني حقّا له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس»، فكرر ذلك النبي ﷺ مرارًا.

فقام واحد من الصحابة وقال: لي عندك يا رسول الله ثلاثة دراهم، فأمر ﷺ قثم بن العباس أن يعطيه، ثم سؤال لاحقًا: كيف تجرّأت على ذلك؟ فقال: سمعته يقول أحبّكم إليّ من أخذ المال، فأحببت أنْ أكون من أحب الناس إليه ﷺ.

 

ثم قال النبي ﷺ: «إنّ عبدًا خيّره الله تعالى بين خزائن الأرض والخلد فيها ثم الجنة، وبين لقاء ربه والجنة»، فبكى أبو بكر الصديق بكاءً شديدًا وقال: (بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا يا رسول الله)، فقال ﷺ: على رسلك يا أبا بكر، ثم أمر بأن تسدّ جميع الأبواب المتخذة في المسجد إلا باب أبي بكر، وقال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، لكن صاحبكم خليل الرحمن».

ثم قال: «بلغني أنّ هناك من يطعن في إمرة أسامة، وإنّه لخليق بالإمارة كما كان أبوه خليقًا بها، وإني أحبّ أباه كما أحبه»، فكان أسامة يدعى بـ “الحِبّ ابن الحب”، ثم أوصى رسول الله ﷺ بالأنصار خيرًا، ثم أوصى بالنساء خيرًا، وكرر الوصية بالجهاد والخروج مع أسامة.

 

عاد النبي ﷺ إلى بيت عائشة واشتد المرض، فدخل عليه أسامة وهو غير قادر على الكلام، فجعل يشير إلى السماء ويشير إلى أسامة كأنه يدعو له.

 

أمر أبو بكر الصديق بالصلاة بالناس

بعد خطبة مرض الموت صلى رسول الله ﷺ العصر والمغرب بالناس، ولما حضرت العشاء أغمي عليه فلما أفاق سأل عائشة: «أصلى الناس»، فقالت: لا يا رسول الله، فقال ﷺ: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، خافت عائشة أن يتشاءم الناس بأبيها، فقالت: (يا رسول الله، إنّ أبا بكر امرؤ رقيق القلب شديد البكاء، إذا قرأ القرآن بكى فلا يسمعه الناس)، فقال ﷺ: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فكررت عائشة قولها، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «إنكن صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس».

 

عندها خرجت عائشة رضي الله عنها فوجدت عبد الله بن زمعة، فقالت: (يا عبد الله، قم فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس)، قام ابن زمعة وسأل عن أبي بكر فأخبر أنه خارج المدينة، فدخل المسجد وقال لعمر: قم فصلِ بالناس، قام عمر فصلى بالناس -وكان صوته جهوري-، فلما كبّر سمعه رسول الله ﷺ فغضب وقال: «أين أبو بكر؟ أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون».

بعد ذلك جاء أبو بكر، وبدأ يصلي بالناس من فجر اليوم التالي ثلاثة أيام.

 

آخر خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم

اشتد المرض على النبي ﷺ، ولما كان فجر يوم الاثنين شعر رسول الله ﷺ بنشاط، ففتح الستارة من حجرة عائشة، ونظر إلى المسلمين وهم مصطفين في صلاتهم خلف أبي بكر، فاستنار وجهه سرورًا وتبسم، لم يصبر الصحابة القريبون من ستارة عندما أحسّوا بتحركها، فالتفتوا فرأوا رسول الله ﷺ يتبسم، فأشار لهم أنْ اثبتوا في صلاتكم.

 

ثم تقدم رسول الله ﷺ والصحابة يفتحون له الطريق نحو المحراب، أحسّ أبو بكر الصديق وعرف أنّ ذلك لا يكون إلا لرسول الله ﷺ، فالتفت فرأى رسول الله ﷺ فلما همّ أن يتأخر له، دفعه رسول الله ﷺ وقال: «يا أبا بكر، صلِ بالناس»، أصرّ أبو بكر فرجع فجلس النبي ﷺ عن يساره، فاقتدى أبو بكر برسول الله واقتدى الناس بصلاة أبي بكر.

بعد الصلاة شعر النبي ﷺ بمزيد من النشاط فصعد المنبر، وخطب جالسًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الحليم فيها حيرانًا، القاعد فيها خير من القائم»، وحذر فيها من عدة أمور:

«لا تطروني كما تطري النصارى عيسى بن مريم»، «لا تتخذوا قبري مسجدًا»، «لا يبقى في الجزيرة دينان»، وأوصى بعدة أمور: أوصى بالصلاة، وأوصى بالرقيق والخدم، وأوصى بالنساء، وأوصى بالجهاد.

 

ثم نزل المنبر ودخل بيته، فدخل عليه أبو بكر يستأذنه بالخروج لتفقد أحوال زوجته خارج المدينة، فأذن له.

 

اخر لحظات الرسول قبل وفاته

دخل وقت الضحى فأصدر رسول الله ﷺ عدة أوامر: حرر جميع العبيد الذي عنده وكانوا (7)، وكان عنده شيء من دراهم فتصدق بها، ولم يبقِ لديه شيئًا حتى أنه كان عليه درع مرهونة ليهودي، ثم دعا نساءه أمهات المؤمنين فوعظهن.

 

سواك الرسول قبل وفاته

اشتدّ المرض من جديد على النبي ﷺ، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يسلّم عليه، فجلس وبيده سواك يستاك، لم يستطع رسول الله ﷺ أنْ يكلمه من شدّة الألم ولكنه جعل ينظر إلى السواك، أحسّت عائشة رضي الله عنها فقالت: (يا رسول الله، تريد السواك)، فأشار أنْ نعم، فاستأذنت أخاها وقلبته ومضغته حتى لان، فأخذه رسول الله ﷺ وجعل يستاك كأشد ما استاك في حياته.

 

سكرات الموت عند الرسول قبل وفاته

اشتدت الحمى على رسول الله ﷺ وجعل يتعرق بشدة، فأخذت عائشة رضي الله عنها بعض الماء وجعلت تبلل وجهه الشريف وهو يقول: «إنّ للموت لسكرات»، وفي هذه اللحظات الأخيرة جاءه جبريل عليه السلام بالتخيير الأخير فقال: «بل الرفيق الأعلى من الجنة»، تقول السيدة عائشة: فسقط رأسه على كتفي ووجدت رقيقه عليها، وشخُص بصره إلى السماء ومات رسول الله ﷺ.

 

خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

مات حبيب الله ﷺ وانقطعت الرسالة، فبكت عائشة وتجمع النسوة يبكين، وبدأ الناس يتحدثون بين مصدّق ومكذّب، فجاء عمر مسرعًا فلما رآه قال: (بل صعق كما صعق موسى عليه السلام وذهب للقاء ربّه، وسيعود وسيقطع أعناق من يقول إنه قد مات)، وصعد المنبر وتجمّع له الناس يريدون أن يصدّقوه.

 

خطبة أبو بكر الصديق بعد وفاة الرسول

وصل الخبر أبا بكر: فجاء مسرعًا ودخل المسجد وعمر على المنبر والناس في اضطراب شديد، فلم يلتف لشيء ودخل الحجرة ووجد النبي ﷺ مغطى، فكشف عن وجهه الشريف فقبّله بين عينيه وقال: (طبت حيًّا وميتًا يا رسول الله، أمّا الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولن تموت بعدها)، ثم قبّله وغطّاه وخرج للمسجد.

صاح أبو بكر فقال: (على رسلك يا عمر)، فلم يجبه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، فترك الناس عمر وجاؤه فقال: (أيها الناس: من كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}).

 

كان عمر بن الخطاب واقفًا، فلما سمع الآية سقط على ركبتيه، وقال: (هذه الآية في كتاب الله؟!)، فبكى وبكى الناس، وأخذ كل واحد يبحث لنفسه عن مكان يبكي فيه، وتجمع كبار الصحابة ودخلوا على رسول الله ﷺ، وذهب علي لفاطمة يواسيها فبكت وقالت: (يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه).

بقي الناس على حالهم ذاك حتى جاء وقت صلاة الظهر، فأذن بلال حتى وصل لقوله “أشهد أن محمدًا رسول الله” فبكى ولم يستطع أن يتم الأذان.

 

غسل الرسول صلى الله عليه وسلم

سمح كبار الصحابة للناس بالصلاة على رسول الله ﷺ، ثم تداعوا إلى دفنه مساء يوم الثلاثاء، فغسله أهل بيته العباس وعلي والفضل وقثم ابني العباس، وغسل في ثيابه ولم يجرّد منها.

 

دفن الرسول صلى الله عليه وسلم

دفن رسول الله ﷺ في بيته في حجرة عائشة رضي الله عنها، لقوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء ندفن حيث نقبض»، وكان آخر من لمس النبي ﷺ المغيرة بن شعبة فقد رمى خاتمه ونزل فلمسه.

هذه قصة وفاة الحبيب المصطفى: درس لنا لنسير على نهجه ونتبع رسالته التي عاش ومات عليها.

اللهم املأ قلوبنا بحبك وحبّ نبيك المصطفى ﷺ، واجمعنا معه في الفردوس الأعلى من الجنة.

 

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء

كما يمكنكم الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

السيرة النبوية الشريفة و الإسراء والمعراج و وصف الرسول ﷺ – كأنك تراه

تطبيق السيرة النبوية

حمل الآن  تطبيق السيرة النبوية للدكتور طارق السويدان mp3 للإستماع له بدون انترنت

 

الأسئلة الشائعة

متى توفي الرسول صلى الله عليه وسلم؟

توفي الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين (12 ربيع الأول 11هـ)

اين توفي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟

توفي رسول الله ﷺ في بيته في حجرة عائشة رضي الله عنها.

اين دفن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

دفن رسول الله ﷺ في بيته في حجرة عائشة رضي الله عنها، لقوله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء ندفن حيث نقبض».

من آخر من لمس النبي ﷺ؟

كان آخر من لمس النبي ﷺ المغيرة بن شعبة فقد رمى خاتمه ونزل فلمسه ﷺ.

من أمر الرسول أن يصلي بالناس؟

أمر أبو بكر الصديق بالصلاة بالناس.

اترك تعليقاً