المقدمة


لماذا نقرأ التاريخ
أولا: أن بالانكباب على قراءة التاريخ وسبر حكمه والغوص تحت نواميسه يستطيع اللبيب الفطن توقع المستقبل، إذ لا سبيل إلى استشراف ما هو آت إلا عبر دراسة ما فات، وكفى بها من فائدة جليلة
ثانيا: الوقوف على التجارب الصحيحة الدارة للمنافع وتبنيها، والنظر في أخطاء الأولين وتفاديها، إذ لا فائدة مع إعادة أخطاء سبقت، تُنفق فيها الأموال وتبدل الجهود لنعيد نفس الخطأ، وهذا ينطبق على حياة كل فرد منا وعلى واقعنا المعاش، فخطأ اليوم لا تعده غدا، بل قومه وسدده.
ثالثا: أن بدراسة التاريخ تعرف الصديق من العدو، وتعلم كيف يفكر خصمك، وما هي أساليب مكره، وكيف يخطط لك، إذ إن الإنسان هو نفسه مذ أن خُلق، وإنما التغيير البسيط يأتي في نمط الحياة، وهذا لا يؤثر كثيرا في أفكار الإنسان، وأقصد هنا الأفكار الأساسية كالأديولوجيات والثوابت الدينية والفكرية.
رابعا: يساعد التاريخ كافة الباحثين والمتخصصين في تتبع مسار تخصصهم وكيفية تطوره وتفرعه، وما الضرورة التي دعت لنشأة ذاك العلم، وهذا يساعد كثيرا في تطوير مناهج العلوم وإضافة الجديد لها بشكل أوضح وأدق.
خامسا: يسلط التاريخ الضوء على الحركات الدينية والسياسية والعلاقة الجدلية بينهما؛ الأهداف التي أدت إلى تلك الحركات وأسبابها وغاياتها.
سادسا: وأخيرا يعطينا التاريخ نماذج متنوعة من القدوات في شتى الميادين وكافة الأصعدة، لتربية أجيال ذات شخصية قوية تعتز بتاريخها وأبطالها لا بالوهم والأساطير، وتعيش الواقع لا الخيال.
لكل هذا وأكثر كان هذا الإنتاج الكبير لفضيلة الدكتور طارق السويدان في مجال التاريخ والسيّر، فقد قدم عدة برامج وكتب عدة مؤلفات وموسوعات في التاريخ منها موسسوعة تاريخ الإسلام المصور وموسوعة محمد السيرة المصور، وسير الخلفاء الراشدين والأئمة الأعلام وبعض من سير الصحابة والتابعين، وحلل التاريخ بشكل بديع في برنامجه تاريخنا في الميزان، ولفلسطين والأقصى كان جهد كبر وملموس للدكتور فيها حيث ألّفَ كتابيّ فلسطين التاريخ المصور واليهود الموسوعة المصور، ومواقفه المشرفة في نصرة الأقصى يشهد له بها الجميع على مدار أكثر من 50 سنة، يقدم كل هذه العلوم في التاريخ والسيّر ليفهم الشباب تاريخهم ويستلهمون منه صناعة حاضر ومستقبل أمتهم من جديد.


كلمة الدكتور طارق السويدان:

يخبرنا القرآن الكريم أن التاريخ مليء بالقوانين والسنن، ويدعونا إلى اكتشافها، والدعوة إلى الاكتشاف تعني أن فيها مجالاً واسعاً لاجتهادات العلماء والمفكرين، والأدلة القرآنية على ذلك كثيرة، نأخذ منها على سبيل المثال، قول الله تعالى: ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ) ( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) ونستفيد من قوله تعالى: ( فسيروا في الأرض فانظروا ) أن من طرق اكتشاف قوانين التاريخ النظر والسفر ودراسة تاريخ الأمم، والبحث في ماضي الشعوب وحاضرهم، ومن نظر وسافر ودرس وحلل التاريخ وفق المنهج العلمي، وقواعد البحث العلمي، فسيجد قوانين تاريخية تحكم حركة الحضارات نشوءاً واندثاراً، ارتقاء وانهياراً.

حكم النظر
جاءت الدعوة إلى النظر والتأمل في الآية بصيغة الأمر (فانظروا)، ومعلوم بالاتفاق أن الأمريفيد الوجوب، ما لم ترد قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، فحكم النظر في سنن الله تعالى، والتأمل فيها وتدبرها، يتراوح بين الوجوب والاستحباب. والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أبصار المؤمنين إليها هي: عاقبة المكذبين على مدار التاريخ (فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) فكل الحضارات التي لم تقم على منهج الله تعالى، أو انحرفت ولم تستمر على منهج الله تعالى، انهارت واندثرت، فقيام الحضارات واستمرارها، أو اندثارها يقوم وفق قوانين تاريخية

suwaidan-Word