أبو الفرج ابن الجوزي الحافظ المفسر
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - المبدعون - جديدنا

أُمتنا الإسلاميّة غنية بالرجالِ العظام، المبدعين والقدوات في كلّ مَيدان، نقفُ لنتعرّف على أحدِ هؤلاءِ القامات، إنّهُ أبو الفرج ابن الجوزي “الحافظُ المفسّر، الفقيهُ الواعظ، الأديب، صاحبُ التصانيف، شيخث وقتِه، وإمامُ عصرِه”.

إنّ التعرّف على حياةِ هذا العالِم الجليل ومعرفة أسباب نبوغُه وعِلمه، هو استشفافٌ لنموذجٍ فريد لرجل أنجبهُ الإسلامُ العظيم. فمن هو؟ وكيفَ نشأ وتعلّم؟ وما أسبابُ نبوغه في علمه؟

 

نسب ابن الجوزي

أبو الفرج عبد الرحمنِ بن عليّ بن مُحمد بن عليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله ابن الفقيه عبد الرحمن ابن الفقيه القاسم بن محمد ابن خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبي بكر الصديق، القرشيّ  التيميّ البكري البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحبِ التصانيف .

عُرِف بابن الجوزي “لشجرةِ جوزٍ” كانت في داره ببلدة واسط، ولم تكُن بالبلدة شجرةُ جوزٍ سواها.

 وقيل: نسبة إلى “فرضة الجوز” وهي مرفأ نهر البصرة.

 

نشأة ابن الجوزي

ولدَ سنة (510هـ)، توفيّ أبوه ولهُ ثلاثةُ أعوام، فربّته عمتهُ، ثمّ لما ترعرعَ، حملتهُ عمتهُ إلى مسجد “أبي الفضلِ ابن ناصر”(من أسباب ظهور المبدعين حصولهم على رعاية خاصة)، فحفظَ على يديه القرآن الكريم، وتعلّم الحديث الشريف، وأسمعهُ الكثيرَ، وأحب الوعظ، ولهجَ به، وقد لازمهُ نحو ثلاثين عامًا أخذَ عنهُ الكثيرَ حتى قال عنه: (لم أستفد من أحد استفادتي منه).

على الرغمِ من فراقِ والده في طفولته، فقد ساعدت ثروةُ أبيه الموسر، في توجهه لطلبِ العلم وتفرغُه له، فقد تركَ له من الأموال الشيء الكثير، وقد بيّن أنهُ نشأ في النعيم، بقوله في صيد الخاطر:

فمَن ألِفَ الترفَ فينبغي أن يتلطفَ بنفسه إذا أمكنهُ، وقد عرفتُ هذا من نفسي، فإنّي رُبّيت في ترف، فلما ابتدأتُ في التقلل وهجرِ المُشتهى أثّر معي مرضاً قطعني عن كثيرٍ من التعبُد، حتى أنّي قرأتُ في أيام كل يوم خمسةَ أجزاء من القرآن، فتناولتُ يوماً ما لا يصلحُ فلم أقدر في ذلكَ اليوم على قراءتها، فقلتُ: إن لُقمةً تؤثر قراءة خمسةَ أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناوله لطاعة عظيمة، وإن مطعماً يؤذي البدن فيفوته فعلُ خير ينبغي أن يهجرَ، فالعاقلُ يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه.

 

ابن الجوزي ورحلة العلم

ابن الجوزي الزاهد

نشأ ابنُ الجوزي منذ طفولتِه على الورع والزهد، ابتعد عن الناس خوفاً من ضياع الوقت، ووقوعِ الهفوات، فتزكت نفسهُ وروحهُ ووقته، : (وكان وهو صبيّ ديناً منجمعاً على نفسه، لا يُخالط أحداً، ولا يأكلُ ما فيه شبهة، ولا يخرجُ من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعبُ مع الصبيان).

قال ابن الجوزي واصفاً نفسه في صغره:

كنتُ في زمانِ الصبا، آخذُ معي أرغفةً يابسة فأخرجُ في طلبِ الحديث، وأقعدُ على النهرِ همتي لا ترى إلا لذة تحصيلِ العلم.

شيوخ ابن الجوزي

تعلّم “ابن الجوزي” على عددٍ كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، من هؤلاء:

  •  أبو الفضلِ محمد بن ناصر بن محمد بن عليّ بن عُمر وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا مُتقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو أولُ مُعلّم له.
  •  أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي وهو اللغويّ المُحدث والأديبُ المعروف، وقد أخذ عنه اللغةَ والأدب.
  •  أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عُمر الحريري المعروف بابن الطبري] وقد أخذ عنه الحديث.
  •   أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون وقد أخذ عنه القراءات.

 

منزلة ابن الجوزي ومكانته

كان علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير. وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.

كان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس.

كان قليل المزاح، يقول عن نفسه: (إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات)

كان له دور كبير ومشاركة فعالة في الخدمات الاجتماعية، وقد بنى مدرسة “بدرب دينار” وأسس فيها مكتبة كبيرة ووقف عليها كتبه وكان يدرس أيضا بعدة مدارس، ببغداد.

 

صورة من مجالسه

وكان مجلسه بإزاء داره على شاطئ “دجلة” بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم يصعد “ابن الجوزي” المنبر.

 ويبتدئ القرّاء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة، بدأ “ابن الجوزي” خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.

ومن مزاياه أنه فسَّر القرآن الكريم كاملاً على المنبر.

 

محنة ابن الجوزي

محنة الحبس 

وقد ناله محنة في أواخر عمره، ووشوا عنه إلى الخليفة بأمر اختلف في حقيقته، أنه يتكلم ضد الخليفة، ويؤلب الناس على الخليفة، فلم يتيقن الخليفة من الخبر، فأرسل من يهينه ويشتمه، ويختم على داره (قام بحبس ابن الجوزي في داره، جعله في إقامة جبرية)، ثم حبسوه في دارٍ في (واسط)، وبقي في المطمورة خمس سنين‏.‏

وكان السبب في خلاص الشيخ، ولده يوسف الذي وصل بطريقة ما إلى أم الخليفة، فشفعت لابن الجوزي، وأطلقت الشيخ.

 

أقوال العلماء في ابن الجوزي

  •       قال عنه “ابن كثير : “أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف.
  •       وقال عنه “الذهبي: “ ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل.
  •       وقال عنه “ابن رجب صاحب” “ذيل طبقات الحنابلة”: الحافظ المفسر، الفقيه الواعظ، الأديب، شيخ وقته، وإمام عصره.
  •       وقال عنه “ناصح الدين ابن الحنبلي” الواعظ : اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن  والحسان.
  •       وقال عنه “ابن العماد” صاحب “شذرات الذهب”: الواعظ المتفنن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم؛ من التفسير والحديث والفقه، والزهد والوعظ، والأخبار والتاريخ، والطب وغير ذلك.
  •       وقال “الداودي” صاحب “طبقات المفسرين”: الإمام العلامة، حافظ العراق، وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم.
  •       وقال “ابن خلكان” : كان علامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ، صنف في فنون كثيرة منها ” زاد المسير في علم التفسير ” أربعة أجزاء، أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله ” المنتظم ” في التاريخ وهو كبير، وله ” الموضوعات ” في أربعة أجزاء.
  •       عن “الرحَّالة ابن جُبير” انه قال: “شاهَدنا مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي ، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرُّتب العليَّة، إمام الجماعة، وفارس حَلْبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة، مالك أزِمَّة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدرر، فأما نظمُه فرَضِيُّ الطِّباع، مهياري الانطباع، وأما نثره فيَصدَع بسحرِ البيان، ويُعطِّل المثلَ بِقُسٍّ وسَحبان، (رحلة ابن جبير، ص 196 – 197).

 

كتب ابن الجوزي

تميّز “ابن الجوزيّ” بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو (300) مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون، ويقول “ابن تيمية”: (اطلعت لوحدي على (900) مؤلف لابن الجوزي، وبعضهم أوصل عدد تصانيفه إلى (1000)، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف، في التفسير، والحديث، والتاريخ، واللغة، والطب، والفقه، والمواعظ، وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:

  •       أخبار الظرّاف والمتماجنين.
  •       أخبار النساء.
  •       أعمار الأعيان.
  •       بستان الواعظين.
  •       تلبيس إبليس.
  •       تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.
  •       تاريخ بيت المقدس.
  •       تحفة المودود في أحكام المولود.
  •       الثبات عند الممات.
  •       جواهر المواعظ.
  •       الجليس الصالح والأنيس الناصح.
  •       حسن السلوك في مواعظ الملوك.
  •       ذم الهوى.
  •      زاد المسير في علم التفسير.
  •       سيرة عمر بن عبد العزيز.
  •      صفوة الصفوة.
  •      صيد الخاطر.
  •       الطب الروحاني.
  •       فنون الأفنان في علوم القرآن.
  •       كتاب الأذكياء.
  •       كتاب الحمقى والمغفلين.
  •       لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.
  •       لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.
  •       مناقب عمر بن الخطاب.
  •       المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.
  •       الناسخ والمنسوخ في الحديث.
  •       الوفا في فضائل المصطفى.
  •       اليواقيت في الخطب.

كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي

 

وفاة ابن الجوزي

توفيّ “ابن الجوزيّ” ليلة الجمعة(12) رمضان (597هـ) عن عمر بلغ (87 سنة) بعدَ أن مرضَ خمسةَ أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازتِه، حتى أُقفلت الأسواق، و أفطر بعض الناس من شدة الحر والزحام،ولم يصلوا إلى حفرته حتى وقت صلاة الجمعة، فكان ذلك يومًا مشهورًا مشهودًا، يشهد بمكانة “ابن الجوزي” وحب الناس له.

وأوصى أن يُكتب على قبره:

 يا كـثير الـعفو عمن         كــثر الـذنب لـديـه

جاءك المذنب يرجو         الصفح عن جرم يديه

أنا ضــيـف وجزاء            الضيف إحسان لديه

 

المعادلات الرئيسية في صناعة المبدعين من خلال حياة ابن الجوزي

  •       اليتم ليس بالضرورة أن يكون وبالاً على صاحبه.
  •       الرعاية المبكرة سبب من أسباب النبوغ.
  •       استغلال الموهبة التي رزقنا الله إياها.
  •       الهمة العالية والإرادة الجبارة، وعدم الاشتغال في سفاسف الأمور.
  • ·     التركيز على فن واحد من العلوم والإسهاب فيه، ولا مانع من الاطلاع على بقية العلوم، دون التعمق بها.

 

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات

قصص الصحابة و الأئمة الأربعة و قصص التابعين والمبدعون

لماذا عُرِف بابن الجوزي؟

"لشجرةِ جوزٍ" كانت في داره ببلدة واسط، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.

ما منزلة ابن الجوزي بين علماء عصره؟

كان علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير. وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.

لماذا حبس ابن الجوزي

اتهموه انه يتكلم ضد الخليفة، ويؤلب الناس على الخليفة، فلم يتيقن الخليفة من الخبر، فأرسل من يهينه ويشتمه، ويختم على داره (قام بحبس ابن الجوزي في داره، جعله في إقامة جبرية)، ثم حبسوه في دارٍ في (واسط)، وبقي في المطمورة خمس سنين‏

كم مصنف ألف ابن الجوزي

ميّز “ابن الجوزيّ” بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو (300) مصنف

ما هي أشهر مؤلفاته

بستان الواعظين.تلبيس إبليس.زاد المسير في علم التفسير.سيرة عمر بن عبد العزيز.صفوة الصفوة.صيد الخاطر.كتاب الأذكياء.كتاب الحمقى والمغفلين.لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.

اترك تعليقاً