نساء حول نبي الله موسى عليه السلام – أم موسى وزوجته وآسيا بنت مزاحم
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - نساء خالدات - جديدنا

النساء في دين الله هن شقائق الرجال، وكم من نساء هن قدوات ورموز ونماذج بر وإحسان، نساءٌ خالدات قصصُ نسائية وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، تُعرّفنا على مكانة المرأة الجليلة في الإسلام.

حال بني إسرائيل في مصر

انتقل بنو إسرائيل إلى مصر في زمن نبي الله يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام، وأحسّ حكّامُ مصر بالخطر من ازديادهم، فبدأ الفراعنة يضطهدون بني إسرائيل؛ فجعلوهم يعملون في البناء والخدمات والأعمال الشاقّة، وبلغ عدد بني إسرائيل في مصر 600 ألف شخص عاشوا حياة الذل والاستعباد.

وفي ذات ليلة رأى فرعون مصر رؤيا: مفادها أن واحدًا من أبناء بني إسرائيل سينتزع الملك منه، وفي رواية أخرى: أن حاشية الملك خافوا أن تزداد أعداد بني إسرائيل على حساب المصريين، وفي الحالتين: كان القرار هو قتل أبناء بني إسرائيل والتخلص منهم في عام، وإبقاؤهم في العام الآخر.

بدأ الذبح في أبناء بني إسرائيل: فكانوا يقتلون كل مولود ذكر يولد في عام الذبح، قال تعالى: {وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ}.

أم موسى عليه السلام

  • وفي هذه الأثناء ولد سيدنا موسى عليه السلام، فخافت أمّه أشدَّ الخوف وحارت في أمرها، فجائها الإلهام من الله تعالى: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ}، وفعلاً وضعته في تابوت وألقته في النهر، وأرسلت أخته تتابعه في النهر حتى وصل إلى قصر فرعون، والتقطه نسوة من القصر: {فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِ‍ِٔينَ}، مهما دبّر الطغاة ومكروا فالله فوق مكرهم وتدبيرهم.
  • في هذه الأثناء يحدثنا المولى سبحانه عن حال أم موسى عليه السلام فيقول: {وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ}، لم يعد في قلبها إلا موسى وحال التابوت الذي فيه، حتى أنها همّت أن تسير في الطرقات وتسأل عنه؛ لولا أن ثبّتها الله سبحانه وتعالى.

آسيا بنت مزاحم

وهنا في الطرف الآخر تظهر آسيا امرأة فرعون المؤمنة، والتي كان فرعون قد سمع بجمالها فأراد أن يأخذها أمَةً بالإكراه، ثم قبل الزواج منها رغم عدم إيمانها، فقد ضحت بنفسها من أجل أهلها، وعاشت مع فرعون كارهة له محافظة على إيمانها بالله تعالى.

كانت آسيا تتمنى الولد، فلما وجدت تابوت موسى؛ جاءت إلى فرعون طالبةً منه أن يبقيه، فقد كان يريد قتله {وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ}، قال فرعون: (قرة عين لكِ أنتِ)، ووافق لأجلها وهم لا يشعرون بتدبير المولى سبحانه.

أخت موسى عليه السلام

بعد موافقة فرعون بدأت رحلة البحث عن مرضعة لهذا الطفل، فقد كان يرفض كل النساء اللواتي جيء بهنّ، ثم تدخلت أخته في الوقت المناسب، قال تعالى: {وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ}، فرجع إلى أمّه {فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ}، فصدّقت وعد الله لها وأجابها المولى سبحانه.

حياة موسى بين أمه وآسيا امرأة فرعون

نشأ سيدنا موسى عليه السلام بين البيتين: بيت أمه كمرضعة له، وبرعاية آسيا زوجة فرعون، وكان فرعون يتحيّنُ فرصة ليتخلص منه، ثم جاءته الفرصة: لما شبّ موسى ورأى في المدينة صراعاً بين رجلين واحد من بني إسرائيل، والآخر من المصريين، فوكز المصري فقتله دون قصد، ثم استغفر وتاب الله عليه، ولكن الخبر وصل إلى فرعون؛ فاجتمع الأعيان وقرروا قتل موسى، ووصل الخبر إلى موسى: {وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ}.

زوجة موسى عليه السلام

هنا بدأت مرحلة جديدة من حياة سيدنا موسى عليه السلام، فخرج من مصر باتجاه فلسطين ماشياً قاطعاً صحراء سيناء، تقطعت نعاله وأكل أوراق الشجر حتى وصل إلى “مدين” على أطراف سيناء، وعند بئر ماء في مدين كان الرعاة يسقون أغنامهم ويتدافعون على البئر.

لقاء موسى عليه السلام بزوجته

رأى سيدنا موسى امرأتين تبعدان غنمهما عن الماء، فجاء سائلاً عن حالهما: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ}، عندما سمع ذلك منهما أخذ غنمهما ودافع الناس بقوة حتى سقى لهما، ثم جلس يدعوا المولى سبحانه بدعاء نتعلم منه الأدب مع الله: {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ}.

حياء زوجة موسى عليه السلام

وهنا جاء الفرج من الله سبحانه، إذا جاءت إحدى البنتين: {فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ}، فذهب معها سيدنا موسى، وكان يمشي أمامها وتمشي خلفه وتشير له إلى الطريق بواسطة الحصى، كانت أول صفات هذه المرأة الحياء، فما أجمل أن تجمع النساء بين القدرة العلمية والعملية وبين خلق الحياة، فالحياء لا يمنع المرأة من المشاركة في العلم والحياة وبناء الحضارة.

حكمة زوجة موسى عليه السلام

ولما وصل إلى أبيها وقص عليه ما جرى معه؛ طمأنه بالنجاة من الظالمين، ثم قالت إحدى البنتين: {قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَ‍ٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَ‍ٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ}، لخصت لنا هذه المرأة بحكمة قاعدة ذهبية من قواعد التعامل البشري، عند طلب العمل يجب البحث عن صفتين:

  • القويّ: يعني الكفاءة والقدرة على تنفيذ المهمة.
  • الأمين: ثقة نطمئن إليه: (فلا يخدع، أو يغش، أو يغدر، أو يسرق، أو يستهتر).

مهر زوجة موسى عليه السلام

وهنا ظهرت أيضاً حكمة الأب: {قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ}، جاءه شاب لا يملك شيئاً فآواه وزوجه مقابل أن يعطيه شئياً من عمله خلال 8 سنين، فماذا أنتجت المغالاة في المهور:

  • التأخر في الزواج: وهذا سبب فتنة للشباب والفتيات.
  • الكثير من المشكلات الزوجية.

النساء يساندن النبي موسى في رسالته

لما أتم سيدنا موسى 10 سنوات اشتاق لزيارة أهله في مصر، وفي الطريق أصابهم البرد فرأى موسى عليه السلام ناراً من بعيد فترك زوجه وذهب إليها، وهنا كان مشهد الرسالة العظيم: {يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} وأعطاه الله سبحانه المعجزات والآيات: العصا تنقلب حية تسعى، ويده تخرج بيضاء من غير سوء، وتلخصت مهمة رسالته بأمرين:

  • دعوة فرعون والمصريين وبني إسرائيل إلى الإيمان بالله تعالى.
  • إخراج بني إسرائيل من ظلم فرعون والهجرة بهم من مصر.

رجع إلى أهله فناصرته زوجته وحملت همّ الرسالة معه، ولما وصل إلى مصر زار أمّه ففرحت به أيما فرح، ثم زار آسيا ففرحت أيضاً وآمنتا به وبرسالته، ثم بدأ الصراع مع فرعون.

اقرأ أيضًا: الحوار مع مقاومة التغيير .. من آيات القرآن الكريم

مشاهد الصراع مع الباطل

مشهد الدعوة

طلب المولى سبحانه من موسى وأخيه دعوة فرعون برفق، فكان مشهد الحوار في قصره، ولكن فرعون أبى واستكبر ووصفه بأنه ساحر: { فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِ‍َٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ}.

مشهد التحدي

بدأ التحدي بين موسى عليه السلام وسحرة فرعون أمام الناس، وظهرت المعجزة على السحر، وألقي السحرة ساجدين مؤمنين بالله رب العالمين: {وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ . قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ . رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ}.

مشهد النصر

هنا اضطرب فرعون أحس باهتزاز عرشه، فصبَّ جام غضبه على السحرة وعذبهم، وأمام هذا الرفض من فرعون تحول تركيز سيدنا موسى إلى مهمة إخراج بني إسرائيل من مصر، ولكن فرعون أبى أيضاً فجاءته الآيات تباعاً: (العصا، اليد، الجراد، القمل، الضفادع، الطوفان، الدم، الحجر، نقص الأموال والأنفس)، ومع كل آية منها: كان يرضخ فرعون، فيدعو موسى ليكشف الله البلاء، ثم يحنث فرعون ويأبى، ومع آخر هذه الآيات وافق فرعون، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سائراً من مصر نحو فلسطين في مشهد عظيم.

مشهد التضحية

وفي هذه الأحداث وما قبلها: كانت هؤلاء النسوة الثلاث (أمه وزوجته وآسيا مربيته) تدعمن نبي الله موسى، ولما حانت الهجرة تجهّزت آسيا لها ولكن فرعون رفض وعذّبها ثم قتلها بحجر فماتت شهيدة رحمها الله.

أسيا بنت مزاحم نموذج خلده القرآن الكريم

ثم أردا الله أن يخلد لنا هذا النموذج في القرآن الكريم:

{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ}، لماذا؟ وكيف؟

  • كانت مثلاً ونموذجاً وقدوة لجميع المؤمنين.
  • لم تغرها مكانة فرعون ولا أمواله وقصوره.
  • اختارت الإيمان بالله تعالى على الدنيا وما فيها.
  • كان ولاؤها للعقيدة فتبرأت من زوجها: للمرأة عقلها ورأيها وليست تبعاً لزوج أو غيره.
  • العلاقات يحكمها رضا الله رب العالمين: فلا ولاء للعصاة والطغاة والظالمين.

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

السيرة النبوية

مكانة المرأة في الإسلام

المبشرون بالجنة من الرجال والنساء

اترك تعليقاً