أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان – نساء خالدات
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - نساء خالدات - جديدنا

في بيوت يتصوّر الناس أنّها بيوت ترف ولهو ولعب، لا بيوت خير وفضل وصلاح، ولكن في الحقيقة إذا ذكرت بيوت الحكّام الراشدين، يجب أن نعلم أنّها لا تخلو من الخير والصلاح والنجابة، وقفتنا مع امرأة في أعلى مراتب بيوت الخلافة والحكم؛ لعلها تكون قدوة لغيرها فيقتدين بها ويسرن على نهجها ويعدن سيرتها، إنها أمُّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان.

أسرة أم البنين

  • أبوها عبد العزيز بن مروان: حكم مصر 20 عاماً، من أقواله: (عجبًا لمؤمنٍ يؤمنُ أن الله هو الرّزاق ثمّ يبخل).
  • أخوها عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين، إمامٌ حافظ علّامة مجتهدٌ عابد، جدّه لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب، سيرته قد ملأت الآفاق.
  • عمّها عبد الملك بن مروان: من أشهر الخلفاء، وهو من فقهاء الإسلام، قال عنه نافع: (لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك)، تولّى الخلافة من أبناءه أربعة: الوليد وسليمان وهشام ويزيد.
  • زوجها الوليد بن عبد الملك: خليفة نقشُ خاتمه: (أؤمن بالله مخلصاً)، وآخر ما تكلم به: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله)، بنى الجامع الأموي وكذلك قبة الصخرة في بيت المقدس، ووسّع مسجد النبي ﷺ، كان كثير التلاوة للقرآن وكثير الصدقات، فتحت في عهده: (الهند، والتُّرك، والأندلس).

زواج أم البنين

أم البنين إحدى فقيهات الإسلام، عالمة محدّثة طاهرة فقيهة، حكيمة ذاتُ رأي وحزم وجود وسخاء، ولدت في مدينة رسول الله ﷺ، فلمّا جاء الوليد حاجّاً سمع بها وبمكانتها وصفاتها وفضلها، فخطبها وتزوّجها وأخذها معه إلى الشام، ورزقه الله منها بأولاده: (عبد العزيز، ومحمد، وعائشة).

علم أم البنين

نشأت أمّ البنين رضي الله عنها نشأة صالحة، فحفظت القرآن الكريم وهي صغيرة، وحفظت الكثير من أحاديث النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأخذت أصول العلم عن أكابر العلماء والتابعين، وشهد لها بالعلم أكابرهم أمثال: الإمام الحافظ أبو زرعة الدمشقي محدّث الشام في زمانه.

وذكروا أنها تفصّحت وتفقّهت، وعرفت الحلال والحرام، واغتنمت أوقاتها في العلم، وشوارد الفقه، وزهر الأدب، وأحلى معارف الأخبار، فلم تغرّها الدنيا بترفها مع أنها في قصر الخليفة الذي يحكم الأرض، كثيرة الصلاة إذا انشغلت بها لا تلتفت إلى شيء، كثيرة الذكر والخشوع لله ربّ العالمين، كانت تردد قولتها الشهيرة: (ما تحلّى المتحلّون بشيء أحسن مِنْ عِظم مهابة الله في صدورهم).

كرم وجود أم البنين

كانت كثيرة النفقة في سبيل الله، وكان من سنتها في ذلك: كانت تشتري في كل أسبوع، فرساً ترسله إلى أحد المجاهدين ومعه نفقة لمدّة عام، علّها تأخذ أجر الجهاد بقوله ﷺ: «من جهّز غازيًا فقد غزا».

وحُبب إليها إعتاق العبيد وتحرير الرقاب في سبيل الله، فكانت تعتق عبدًا في كل أسبوع وتعطيه مالًا حتى لا يكون عالة على المجتمع.

من أقوال أم البنين:

  • (ما حسدت أحداً على شيء إلا أن يكون معروفًا).
  • سئلت عن أجمل ما رأته في الدنيا فقالت: (نِعَمُ الله مُقبِلةٌ).
  • (جُعلتْ لكلّ قومٍ نهمةٌ -شهوة-، وجُعلت نهمتي في البذل والعطاء، والله للصلة والبرّ والمواساة أحبُّ إليَّ مِنَ الطّعام على الجوع، ومِنَ الشّراب البارد على الظمأ).

قصة أم البنين مع والي اليمن

من هو محمد بن يوسف الثقفي؟

كان محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج والياً على اليمن، وكانت سيرته فيها شدّة على الناس وظلم، حتى أن أخاه الحجاج رأى في موسم الحجّ رجلًا من أهل اليمن، فسأله عن أخيه: كيف خَلفْتَ محمد بن يوسف؟ فأجابه إجابة لطيفة: خلفته عظيماً جسيماً خرّاجًا ولّاجًا، قال الحجاج: ليس عن هذا أسألك، ولكن كيف خلفت سيرته في الناس؟ فقال اليمني: خلّفته ظلومًا غشومًا عاصيًا للخالق مطيعًا للمخلوق.

أم البنين تُحرج محمد بن يوسف

وصلت أخبار هذ الوالي إلى أم البنين، فلما كان موسم الحج كانت برفقة زوجها الخليفة الوليد، وجاءه الولاة بهداياهم، فطلبت أم البنين من زوجها الوليد أن يخصّها بهدايا اليمن، فأجابها حبًّا وكرامة، وأرسل إلى والي اليمن “محمد بن يوسف” يأمره أن يرسل هداياه إلى زوجته أم البنين، رفض الوالي وردَّ رسل أم البنين؛ لأنه أراد أن يرى الخليفة هداياه النفيسة.

هنا دخلت أم البنين على زوجها وأخبرته بوضوح: (قد أمرت لي بهدايا محمد بن يوسف أن تساق إليّ، وأصدقك القول إني لا حاجة لي بهداياه)، فتعجّب الوليد وقال لم تطلبين ذلك؟

قالت: (بلغني أنَّ محمد بن يوسف قد غصب الناس في اليمن، وكلّفهم ما لا يطيقون، وظلمهم وأرغمهم عليها، ومن خالفه أنزل به الويلات).

غضب الخليفة على والي اليمن

غضب الخليفة الوليد وأمر بأن يؤتى بمحمد بن يوسف وهداياه، فلما رأى نفاسة هداياه، قال له: (يا ابن يوسف، قد بلغني أنك أصبت الهدايا غصبًا وظلمًا)، قال محمد: (معاذ الله يا أمير المؤمنين ما أصبتها إلا مِنْ طيّب)، فأمره أن يحلف على ذلك فحلف، ثم كرر حلفه، ولم يكتفي بذلك بل أمره أن يحلف أمام الكعبة خمسين يمينًا أنه لم يدخل فيها شيء من ظلم، ففعل.

وعي أم البنين بدورها في الإصلاح

تشير هذه القصة إلى وعي أم البنين، وعلمها بزمانها ودورها في صلاح زوجها وصلاح أمتها، وإبعاد الظلم عن الناس، فما أحرى زوجات الحكام والأعيان أن يقتدين بها! كثير من بيوتهم فيها صلاح، ولكننا نريد صلاحًا له تأثير في أمور الناس وشؤون حياتهم، فالدنيا قصيرة والآخرة عظيمة.

قصة أم البنين مع الحجاج

من هو الحجاج؟

كان الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق، وكان رجلًا شديد البطش جبّارًا يرتجف لاسمه الرجال، قتل علماء المسلمين: سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن الأشعث، بل إنه تجرّأ فقتل عبد الله بن الزبير بن العوام الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما.

زيارة الحجاج للخليفة الوليد

في ذات يوم وفد الحجاج على الوليد بن عبد الملك فوجده في نزهة، فلما رآه ترجل له وقبل يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أستكثر من الجهاد معك؛ فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب.

دخل الوليد داره وتفضل في غُلالة -لبس ثوبًا خفيفًا- ثم أذن للحجاج فدخل عليه، وبينا هو يحادثه إذ جاءت جارية، فساررت الوليد ومضت، ثم عادت فساررته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجاج: أتدري ما قالت هذه يا أبا محمد؟ فقال: لا والله، قال: بعثتها إليّ ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز، تقول: ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلّحُ في السلاح وأنت في غلالة؟ فأرسلت إليها: إنه الحجاج، فراعها ذلك، وقالت: والله ما أحبُّ أن يخلو بك وقد قتل الخلق.

فقال الحجاج: (يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهنَّ على سرّك ولا مكايدة عدوك، ولا تطمعهنَّ في غير أنفسهن، ولا تشغلهنَّ بأكثر من زينتهنّ، وإيّاك مشاورتهنّ في الأمور، فإنَّ رأيهنَّ إلى أفن، وعزمهنّ إلى وَهَن، ولا تطعمها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهنَّ، فإن ذلك أوفر لعقلك وأبين لفضلك).

أم البنين تُهين الحجاج

ثم نهض الحجاج فخرج، ودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالة الحجاج، فقالت: يا أمير المؤمنين، أحبُّ أن تأمره غداً بالتسليم عليّ، فقال: أفعل، فلما غدا الحجاج على الوليد، قال له: يا أبا محمد، سرّ إلى أم البنين فسلم عليها، فقال: أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: لابدّ من ذلك.

فمضى الحجاج إليها فحجبته طويلاً، ثم أذنت له فأقرته قائماً ولم تأذن له في الجلوس، ثم قالت: إيه يا حجاج أنت الممتنُّ على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث؟!

أما والله لولا أنَّ الله جعلك أهونَ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، ولا بقتل ابن ذات النطاقين وأول مولود ولد في الإسلام، وأما ابن الأشعث فقد والله ولّى عليك الهزائم، حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك، فأغاثك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن، فأظلتك رماحهم وأنجاك كفاحهم ولولا ذلك لكنت أذل من النفذ.

وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع من بلوغ أوطاره من نسائه:

فإن كنّ ينفرجن عن مثل ما انفرجت به عنك أمك؛ فما أحقه بالأخذ عنك والقبول منك، وإنْ كنَّ ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين؛ فإنه غير قابل منك ولا مصغ إلى نصيحتك.

قاتل الله الشاعر وقد نظر إليك، وسنان غزالة الحرورية بين كتفك، حيث يقول:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةٌ             ربذاء تفزعُ مِنْ صَفير الصافر

هلا برزتَ إلى غزالة في الوغى          بل كانَ قلبُك في جناحَيّ طائر

صَدَعتْ غزالةُ قلبه بفوارسٍ               تركتْ مناظره كأمس الدّائر

ثم أمرت جارية لها فأخرجته، فدخل إلى الوليد من فوره، فقال: يا أًبا محمد ما كنت فيه، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحبّ إليَّ من ظاهرها، فضحك الوليد حتى فحص برجله، ثم قال: يا أبا محمد، إنها بنت عبد العزيز.

قصة أم البنين مع عبيد الله الرقيات

عبيد الله بن قيس مهدور الدم

السياسة لا ترحم أحدًا، فقد ثار على “عبد الملك بن مروان” فيمن ثار “مصعب بن الزبير”، وكان داعيته “عبيد الله بن قيس الرقيات”، فكان بشعره الجميل القويّ يُحرّك أنصار مصعب، ومن ذلك قوله:

إنما مصعب شهاب من الله        تجلّت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك رحمة ليس فيه         جبروت يُخشى ولا كبرياء

يتقي الله في الأمور وقد           أفلح من كان همُّه الاتقاء

ثم إنّ مصعب هزم وقتل، وانتصر عبد الملك فأهدر دم عبيد الله الرقيات، فهام على وجهه يبحث عمّن يجيره ويحميه فالتجأ إلى الجواد ابن الجواد “عبد الله بن جعفر بن أبي طالب” -الذي إن كان أهل الجاهلية يفاخرون بحاتم في الكرم؛ فنحن في الإسلام نفاخر بعبد الله بن جعفر-، فاستقبله وقال له:

(ويحك يا ابن قيس، ما أجدّهم في طلبك وما أحرصهم على الظفر بك، فقد ملأ شعرك الأسماع في غريمهم مصعب بن الزبير، وشغل الناس بطلاوته وجماله وأثره في النفوس، ولكن أكتبُ إلى النّجيبة الأريبة أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان، فعبد الملك أرقّ شيء عليها).

نخوة أم البنين في إجابة الجواد

فلما وصلت رسالة “عبد الله بن جعفر” الجواد إلى أم البنين أخذتها النخوة له، فذهبت إلى عمها فاستأذنته فأجلسها، وقال: هل لك من حاجة؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال عبد الملك -وقد كان لمّاحًا-: قد قضيت لك حاجتك، إلا واحدة وهي عبيد الله بن قيس الرقيات، قالت: يا أمير المؤمنين لا تستثني عليّ، فغضب وقام، فجعلت تبكي فرقّ لها، فقال: قد قضيت حاجتك وإن كان فيها ابن قيس.

قالت: يا أمير المؤمنين حاجتي أن تؤمّن ابن قيس الرقيات، فقد كتب إليّ “عبد الله بن جعفر” يسألني أن أسألك ذلك؛ لعلمه بحلمك وسعة صدرك، فقال: حبًّا وكرامة يا أم البنين هو آمن وهبت لك دمه، فجاء ابن قيس يعتذر وأنشد الأشعار في مدح: عبد الملك، وعبد الله بن جعفر، وأم البنين.

رحم الله أمّ البنين كانت قدوة لنساء الخلفاء والحكام في:

(الصلاح، والعلم، والنّجابة، والسّخاء، والنخوة).

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

مكانة المرأة في الإسلام

بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق

اترك تعليقاً