نابليون والصدمة الحضارية – سلسلة قصة وفكرة – د. طارق السويدان
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - قصة وفكرة - جديدنا

الصدمة الحضارية والصدمة المعاكسة

أثناء الحروب الصليبية، احتكّت أوروبا المتخلّفة بالحضارة الإسلامية التي كانت تحكم العالم، فحدثت صدمة حضاريّة لدى أوروبا ساهمت في النهضة الأوروبية الحديثة.

ودار الزمان دورته وتغيّرت الموازين، وقادت أوروبا الحضارة الإنسانية في غفلة من المسلمين، الذين أغلقوا عقولهم وصرفوا همَّتهم لاختصار المُطوّلات وشرح المختصرات، وفي ظل أزمات سياسية وحضارية متوالية، حتى صحا المسلمون على أصوات مدافع نابليون وهي تدكُّ أبواب مصر، وهنا حدثت الصدمة الحضارية المعاكسة، ووجد المسلمون أنفسهم أمام فجوة حضارية عميقة بينهم وبين أوروبا، وكانت النتيجة سقوط العالم العربي والإسلامي تحت وطئة الاستعمار الحديث.

الحملة الفرنسية التي قادها نابليون على مصر، والصدمة الحضارية التي حدثت للمسلمين، هي موضوعنا.

نابليون بونابرت

قائد عسكري فرنسي شهير مثّل للغرب أشهر عبقرية عسكرية، بل ربما أشهر من تقلّد رتبة لواء في التاريخ كله، كوّن امبراطورية عظيمة ضمت معظم غرب ووسط أوروبا.

مراحل بطولة نابليون بونابرت

  • عام 1779م وعمره 9 سنوات دخل مدرسة فرنسية عسكرية.
  • تقلّد رتبة ملازم ثاني في سلاح المدفعية وعمره 16 سنة.
  • تمت ترقيته إلى ملازم أول وعمره 22 سنة، ثم في العالم التالي لرتبة نقيب.
  • 1796م أصبحت النمسا هي العدو الرئيسي لفرنسا، فقاد نابليون الحرب ضدها وكسبها.
  • في أقل من عام واحد هزم 4 جيوش من أوروبا: كل واحد منها أكبر من جيشه، وكان عمره 27 سنة.
  • وقعت فرنسا والنمسا معاهدة صلح بسببها توسّعت الأراضي الفرنسية.
  • عاد نابليون إلى فرنسا فاستقبله الفرنسيون استقبال الأبطال.

حملة نابليون على مصر

مكانة مصر التاريخية

عبر التاريخ تعرضت مصر لحملتين صليبيتين 1221 و1250م بقيادة فرنسا، وكلاهما في عهد الدولة الأيّوبية، وكلاهما بقيادة لويس التاسع، ومنيت الحملتان بهزيمة مدوّية، ولكن ظلت الرغبة الفرنسية في السيطرة على مصر قائمة.

توقيت حملة نابليون بونابرت

كانت مصر تتبع الدولة العثمانية التي بدأت بالضعف، وجاءت التقارير للقادة الفرنسيين بأن اللحظة غدت مناسبة لغزو مصر، فكشفت تقارير السفير الفرنسي في الأستانة عاصمة العثمانيين والقنصل الفرنسي في الإسكندرية، عن ضرورة الإسراع إلى احتلال مصر، لكن الحكومة الفرنسية ترددت.

عام 1798م قدَّم (شارل مكالون) القنصل الفرنسي في مصر تقريراً يحرض الحكومة الفرنسية على ضرورة احتلال مصر، ثم أكد ذلك تقرير وزير الخارجية، وكان لهذا التقرير أهمية تاريخية حيث تحدث عن:

أولاً- العلاقات مع مصر منذ القدم.

ثانياً- بسط الآراء التي تنادي بمزايا الاستيلاء على مصر.

ثالثاً- تناول وسائل تنفيذ الغزو:

  • عدد الرجال المطلوب والسفن.
  • خطة الغزو العسكرية.
  • نقاط الضعف في مصر.
  • ضرورة مراعاة عادات وتقاليد وشعائر أهل مصر الدينية.
  • أهمية استمالة المصريين من خلال تبجيل علماء مصر ومشايخهم.

استعدادات نابليون بونابرت

عندها أصدرت فرنسا قرار الغزو ووضعت قيادة جيشها (جيش الشرق) تحت قيادة نابليون بونابرت، بدأ بنفسه التجهيزات من:

  • اختيار القادة والضباط وحتى العلماء ضمن لجنة العلوم والفنون.
  • زوّد الحملة بمطبعة خاصّة حتى تطبع المنشورات باللغة العربية.
  • تمّت التعمية عن الوجهة التي يقصدها الأسطول بشكل كامل.
  • أبحرت الحملة من ميناء طولون.
  • كانت مؤلّفة من: 36 ألف جندي تحملهم 300 سفينة، ويحرسهم أسطول مزود بالمدافع قوامه 55 سفينة.

حال مصر أثناء حملة نابليون

رغم التكتم لكن الأخبار تسربت إلى بريطانيا العدو اللدود لفرنسا، والتي كانت تسابقها في المد الاستعماري، ولأهمية مصر؛ تحرّك قائد الأسطول البريطاني “نيلسون” ووصل لميناء الإسكندرية قبل نابليون بثلاثة أيام، وأرسل بعثة صغيرة للتفاهم مع السيد محمد كريم حاكم المدينة العثماني، وأخبره عن نيّة فرنسا مهاجمة الإسكندرية، ولكن محمد كريم ظن أنها خدعة بريطانية لاحتلال المدينة فرفض عرض الإنكليز.

نجاح حملة نابليون بونابرت

  • وصلت الحملة الفرنسية واستطاعة السيطرة على الإسكندرية بعد مقاومة لم تستمر إلا عدة ساعات فقط.
  • ثم زحفت باتجاه القاهرة من طريقين بري وبحري، فبدأت المقاومة بقيادة قائد المماليك مراد بيك لكن فارق التجهيزات اضطره للتقهقر نحو القاهرة، ثم نظّم صفوفه وواجه الحملة قرب “إمبابة” في “معركة الأهرامات”، التي قتل فيها 70 فرنسي، ولكن بالمقابل 1500 من المصريين معظمهم نتيجة الهروب الطائش بسبب فارق القوة الكبير.
  • استسلم حاكم القاهرة فدخلها نابليون بجنوده، وأظهر الودّ للمصريين وحتى للدولة العثمانية، واحترم عقائد أهل البلاد ودينهم وعاداتهم؛ من أجل أن يحوّل مصر لقاعدة ومستعمرة فرنسية.

أعمال نابليون في مصر

كان همُّ الفرنسيين طمس هوية البلد، وهذا ديدنهم بخلاف الإنكليز الذي يمتصون الخيرات ويمضون، وهذا يظهر لنا في لغة أهل المغرب العربي وعادات أهل لبنان حتى اليوم.

الدعاية الإعلامية التي قام بها نابليون

  • أنشأ ديوان القاهرة المكون من 9 من كبار العلماء لحكم مدينة القاهرة.
  • منع جنوده من السلب والنهب، لكنه استمر في تحصيل الضرائب التي كان يفرضها المماليك.
  • أعلن احترامه للشعائر الإسلامية، ثم قام بمفاجأة الناس بإعلانه الإسلام ونطقه الشهادتين.
  • أرسل رسالة للمصريين يقول فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك في ملكه…

أيها المشايخ والأئمة قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، صار الفرنسية محبّين مخلصين لحضرة السلطان العثماني أدام الله ملكه، وأدام الله إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية.

  • صدّقه عوام الناس وأطلقوا عليه “علي نابليون بونابرت” بسبب التخلف الفكري.
  • بدأ يتجول في القاهرة بالملابس الشرقية: العمامة والجلباب.
  • كان يذهب إلى الجمعة ويصلي مع الناس.

إنجازات نابليون في التطوير

  • عقد اجتماعات مع العلماء بهدف تطوير مصر.
  • أدخل صناعات جديدة وقام بتطوير التعليم.
  • أنشأ خدمات بريدية، ونظام مواصلات، وأصلح الترع، وضبط الريّ، وربط النيل بالبحر الأحمر.
  • رافق الحملة الفرنسية أكثر من 150 عالم في شتى المجالات و2000 متخصص: صدر منهم كتاب “وصف مصر” شمل جميع أراضيها من الشمال حتى الجنوب، رصدوا فيه جميع جوانب حضارتها القديمة، في أكثر من 20 جزء مع الصور والخرائط، وهو موجود إلى اليوم ويعتبر من أهم الوثائق التاريخية في مصر.
  • عام 1799م اكتشف العالم “بولشارت”حجر رشيد” -في مدينة تبعد عن القاهرة 30 ميل- والذي عليه نقوش بلغتين، ومن خلاله وضع منهجٌ ترجمَ النصوص الفرعونية، ففتحت حضارة مصر على مصراعيها.

نهاية حملة نابليون على مصر

  • هاجم البريطانيون الأسطول الفرنسي بقيادة “نيلسون” وحطموه في معركة أبو قير البحرية.
  • تتالت الأزمات على نابليون فبدأ الناس يعون حقيقة الحملة الفرنسية، وقامت ثورة شاملة في مصر، أظهر نابليون فيها الحقيقة وبدأ بتصفية الثوار، ثم أمر بقصف الأزهر بالمدافع وقتل عددًا من العلماء وأتلف الكتب والمخطوطات في الأزهر وحاول تدميره، حتى استطاع السيطرة على الموقف.
  • جاءت الأخبار أن العثمانيين سيحركون جيشاً، فتوجه نحو فلسطين وحاصر يافا وسيطر عليها، ثم حاصر عكا شهرين لم يستطع فتحها؛ لمساندة الإنكليز لأهلها فعاد إلى القاهرة منهكاً، ووصل الجيش العثماني إلى ميناء أبي قير من 100 سفينة، فانقض عليهم نابليون وهزمهم.
  • وأخيراً جاءت الأخبار بتحالف أوروبي طرد الفرنسيين من ألمانيا، وأعاد الاستيلاء على إيطاليا، فوصل أمر لنابليون من الحكومة الفرنسية بضرورة العودة لإنقاذ فرنسا، فترك “كليبر” في مصر الذي قتل بعد رحيل نابليون على يد سليمان الحلبي، ثم وقَّع الفرنسيون معاهدة تسليم مصر وعادوا إلى فرنسا على ظهر السفن البريطانية.

نتائج حملة نابليون على مصر

  • انتهى حكم المماليك لمصر.
  • بزغ حكم محمد علي؛ الذي أنشأ دولة مستقلة في مصر تتبع اسمياً للدولة العثمانية.
  • أحيت الجهاد في نفوس المصريين والشاميين.

وصية نابليون لكليبر

  • إذا أردت أن تحكم مصر طويلاً: فعليك باحترام مشاعر الناس الدينية، وعليك احترام حرمات منازلهم.
  • أوصى بحفر قناة السويس وعدم إضاعة قطرة ماء النيل.
  • الهدف إقامة إمبراطورية شرقية تحكم حتى إيران.
  • يقول نابليون عن نفسه: (لستُ أقلّ من الإسكندر الأكبر، رغم حُزني الشديد أن الإسكندر غزا مصر وعمره 26 سنة، بينما غزوتها وعمري 28 سنة).

الحملة الفرنسية صدمة حضارية لمصر

  • لأول مرة يرى المصريون مطبعة تطبع الحروف العربية.
  • بدأ الاهتمام بالحضارة الفرعونية.
  • لأول مرة يرون سُفور المرأة.
  • حفّزت محمد علي أن يندفع في تحديث مصر، فأرسل في سبيل ذلك البعثات إلى أوروبا (إرساليات تعليمية) من أجل بناء مصر الحديثة، ولكن للأسف أصابها الانبهار بالغرب؛ حتى أن شيخ الحملة رفاعة الطهطاوي لم يستطع التفريق بين التقدم المادي للغرب وافتقارهم إلى القيم.
  • انتشرت دعوات تربط تقدُّم الأمة بتقليد الغرب حتى في أسوء الأمور.
  • وبالمقابل أثارت الوعي لدى بعض المفكرين في مصر والشام، ولفتت انتباههم إلى أن المحتلين أهدافهم واحدة على اختلاف مشاربهم، وهي تتلخص في طمس هوية الإسلام في بلادنا وامتصاص خيراتها، وليس صناعة الحضارة.

وفي الختام

يقول نابليون: (لو أن القادة العسكريين يتمسكون بمبادئهم كما يتمسك رجال مصر بدينهم؛ لأصبح العالم مُلكي لو كنت قائدهم، إذ يبدو أن القرآن الذي يحملونه به قوة عليا لا تقهر ولا تهزم).

وأخيراً، يمكنكم الاستفادة، والاطلاع على المزيد من المقالات:

القيادات المستقبلية و تذوق الجمال و صناعة الثورة والانقلاب عليها

اترك تعليقاً