محمد بن القاسم الثقفي وضحايا الخلاف السياسي
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - جديدنا

دائمًا ما يذكر الإسكندر المقدوني كمثال للقائد الفذ الذي فتح بلادًا في آسيا وغيرها وعمره (25) سنة، أما بطلنا محمد بن القاسم الثقفي فقد بدأ فتوحاته وعمره (17) سنة فقط، كان الإسكندر يستخدم الخيانة والغدر بينما ابن القاسم التزم الإنسانية وتعاليم الحرب العادلة، فلم يقتل طفلًا أو امرأة أو شيخًا أو رجلًا لا علاقة له بالقتال.

رغم ذلك يروي أهل التاريخ  المآثر والفخر عن الإسكندر، بينما قليل من شباب أمتنا من يعرف شيئًا بسيطًا عن محمد بن القاسم الثقفي، قصته الفريدة تجسدت فيها ضحايا الخلاف السياسي.

 

مولد محمد بن القاسم الثقفي

ولد محمد بن القاسم الثقفي عام (72هـ) في مدينة الطائف، زمن خلافة عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، والذي كان يحكم الحجاز ومعظم جزيرة العرب إلى أنْ ثار عليه الأمويون، فقتل ابن الزبير وانتقلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان في دمشق سنة (73هـ).

 

نشأة محمد بن القاسم الثقفي

سنة (75هـ) تم تعيين الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق، فقام بتولية ابن عمه القاسم على البصرة، فانتقل محمد وعاش بين الأمراء والقادة في البصرة، ثم قام الحجاج ببناء مدينة عسكريةللجيش مدينة”واسط”، فتدرب فيها محمد بن القاسم  على الجندية منذ نعومة أظفاره، ثم غدا واحدًا من القادة وعمره لم يتجاوز (17) سنة.

 

بلاد السند

بلاد السند هي بوابة القارة الهندية، وكانت الفتوحات الإسلامية قد بدأت تتوسع زمن الوليد بن عبد الملك، وكان أعظم ملوك السند وأشدهم بأسًا هو الملك “داهر”، الذي قتل عامل الحجاج “محمد بن هارون” فبدأت المواجهات بين الطرفين.

 

قادة الفتوحات زمن الدولة الأموية

كانت الدولة الأموية ترفع راية الجهاد في كل مكان:

  • “قتيبة بن مسلم”: يجاهد في بلاد الترك جنوب روسيا حتى وصل إلى الصين.
  • “مسلمة بن بعد الملك بن مروان”: مع ابن أمير المؤمنين الوليد يجاهدان في بلاد الروم حتى وصلوا إلى حدود القسطنطينية.
  • “موسى بن نصير”: يجاهد في بلاد المغرب حتى وصلت جيوشه إلى الأندلس.
  • “محمد بن القاسم”: أنيطت له مهمة الفتح في بلاد السند والهند.

 

 سبب فتح بلاد السند

استولت سفينة هندية على سفينة فيها نساء مسلمات، فرأى ملك “سيلان” في ذلك فرصة ليتقرب بها من العرب والمسلمين، فحمّل السفينة بالهدايا إلى الحجاج وإلى الخليفة الوليد، وفي الطريق أغارت عليها مجموعة من اللصوص، فصرخت امرأة: (يا حجاج)، فلما بلغ الأمر الحجاج قال: (يا لبيكي).

فأرسل إلى “داهر” حاكم تلك المناطق يسأله تحرير تلك النسوة، فأجابه بأن اللصوص أخذوهم ولا يعرف مكانهن ولا يقدر على ذلك، فأخذت الحجاج الحمية والغيرة فحرك الجيوش الإسلامية نحوهم.

 

فتح مدينة الديبل

سيّر الحجاج حملتين باتجاه “الديبل” عاصمة بلاد السند: (الأولى بقيادة: عبيد الله بن نبهان السلمي، والثانية بقيادة: بديل البجلي)، إلا أنهما فشلتا وقتل قائديهما، وصلت الأخبار إلى الحجاج فتنبه إلى حجم الإهانة التي ستلحق بالمسلمين إنْ هزمت حملته الثالثة، وأدرك خطورة المعركة، فجهز جيشًا من (8) آلاف مجاهد، وأنفق عليه (60) ألف ألف درهم.

ثم بدأ يفكر بالقائد المناسب لهذه الحملة، ثم استقر رأيه على اختيار ابن أخيه الشاب “محمد بن القاسم الثقفي”، لم يختاره الحجاج لقرابته فالمهمة جدّ خطيرة، ولكنه اختاره لثقته به ولكفاءته، ومضى القائد محمد بن القاسم ففتح مدينة “في زبور” وهزم جيوش “داهر”، واستمر يفتح المدن الواحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى العاصمة وأعظم المدن “الديبل”.

قام محمد بن القاسم بحفر الخنادق، ونشر جيشه حول المدينة، ونصب منجنيقًا ضخمًا يقال له العروس يشرف عليه (500) رجل، طال حصار المدينة وكان يتوسطها معبد للهندوس فيه سارية عالية عليها راية حمراء، أمر محمد بن القاسم أن ترمى الراية بالمنجنيق فلما وقعت تشاءم الهندوس وضعفت معنوياتهم، فلما خرجوا للقاء خارج الأسوار هزموا ثم عادوا فتحصنوا من جديد، فهاجمهم ونصب السلالم على الأسوار حتى استطاع فتحها.

عامل محمد بن القاسم أهل “الديبل” خير معاملة، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وانضم إلى جيشه منهم (4,000) مقاتل، ثم ترك حامية صغيرة وانطلق باتجاه الحاكم “داهر”.

 

معركة الراور

صدم حاكم السند “داهر” بسقوط العاصمة، فأعدّ جيشًا قوامه (50) ألف مقاتل، وقرر قتال المسلمين شرق نهر السند؛ ليعرقل تقدمهم، وأعد الفيلة للقتال ضمن كتائب جيشه .

 

مقتل داهر

تقدم محمد بن القاسم بكل شجاعة وعبر النهر، وشنّ هجومًا مباغتًا على “داهر” وقواته، ركز الهجوم بالرماح على الفيلة فأصيبت أعينها وارتدت على جيش “داهر” فأصبحت بلاء عليه، ترجل “داهر” عن فرسه واخترق صفوف المسلمين فخرج لقتاله القاسم بن عبد الله الطائي”، ودار بين الفارسين قتال شديد انتهى بسقوط “داهر” صريعًا، فهرب جنده بكل اتجاه وكان النصر للمسلمين.

 

فتح مدينة الكيرج

تابع محمد بن القاسم تقدمه في بلاد السند، وخضعت له مدنها  ولم يبقى أمامه إلا قوة الملك “دوهر” ملك الكيرج، أرسل محمد بن القاسم الغنائم إلى الحجاج، فكانت ضعف ما أنفقه فقال: (شفينا غيظنا، وأدركنا ثأرنا، وازددنا (60) ألف ألف درهم ورأس داهر).

مات الحجاج بن يوسف الثقفي عام (95هـ) أثناء معركة الكيرج، واستطاع فيها المسلمون بقيادة محمد بن القاسم الانتصار وقتل ملك الكيرج “دوهر”.

 

عزل محمد بن القاسم الثقفي

تابع محمد بن القاسم فتوحاته حتى وصل إلى مملكة “قنوج” على حدود الهند، فأوفد رسله إلى ملكها يدعوه إلى الإسلام أو الجزية، فردّ الرسل بعد أن أساء إليهم، عندها أعدّ محمد بن القاسم (10) آلاف فارسًا، وبدأ يتهيأ للفتح، أثناء ذلك وصلت الأخبار بوفاة الوليد بن عبد الملك وبيعة سليمان بن عبد الملك الذي كان يبغض الحجاج بن يوسف وأهله وقادته، فأرسل بعزل محمد بن القاسم الثقفي وعين مكانه “يزيد بن أبي كبشة”.

لم يكتف سليمان بعزل محمد بن القاسم بل أمر بالقبض عليه، فكان ضحية لهذا الخلاف السياسي الذي كان يبغي تحييد القيادات العسكرية عنه، فمحمد بن القاسم أجرى الله على يده هذه الفتوح وهو بأوج عطائه، هنا حاول بعض أنصار محمد بن القاسم إغرائه بإعلان العصيان والتفرد بحكم بلاد السند البعيدة عن مركز الخلافة، لكنه رفض تفريق كلمة المسلمين.

 

وفاة محمد بن القاسم الثقفي

كانت “صيتا” ابنة داهر الذي قتل أسيرة، امتلأ قلبها بالحقد على محمد بن القاسم لقتله أباها و انتحار أمها بعدما سمعت بخبره، فلما بلغها خبر عزل محمد بن القاسم أرادت أن تدرك ثأرها منه، فادعت عليه أنه قد اغتصبها بالقوة بعد أسرها، فأرسله ابن أبي كبشة لوالي العراق “صالح بن عبد الرحمن” للتحقيق.

أخذ القائد محمد بن القاسم مقيدًا بالسلاسل، وعذبه والي العراق شهورًا وهو صامد متمسك ببراءته وطهارته، توفي رحمه الله في السجن  مظلومًا شهيدًا بإذن الله، مات القائد الفاتح الشاب سنة (96هـ) وعمره (23) سنة فقط.

 

ختامًا- يقول الدكتور طارق السويدان:

(الاختلاف سنة إلهية {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (119) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [سورة هودأما الخلاف فجريمة بشرية).

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء

كما يمكنكم الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

البطانة الفاسدة و القيادة الفردية المستبدة و الايمان وأهدافه

 

أسئلة شائعة عن محمد بن القاسم الثقفي

اين ولد محمد بن القاسم الثقفي؟

ولد محمد بن القاسم الثقفي في عام (72هـ) في مدينة الطائف.

كم كان عمر محمد بن القاسم عندما فتح بلاد السند؟

ان عمر محمد بن القاسم عندما فتح بلاد السند 17 سنة.

ما هي عاصمة بلاد السند؟

مدينة الديبل.

كيف مات محمد بن القاسم الثقفي؟

كانت "صيتا" ابنة داهر الذي قتل أسيرة، امتلأ قلبها بالحقد على محمد بن القاسم، فلما بلغها خبر عزله ادعت عليه أنه قد اغتصبها بالقوة بعد أسرها، أخذ القائد محمد بن القاسم مقيدًا بالسلاسل، وعذبه والي العراق شهورًا وهو صامد متمسك ببراءته وطهارته، وفي السجن توفي رحمه الله مظلومًا شهيدًا بإذن الله،

في اي سنة توفي محمد بن القاسم الثقفي؟

مات القائد الفاتح الشاب محمد بن القاسم الثقفي سنة (96هـ) وعمره (23) سنة فقط.

اترك تعليقاً