عبد القادر الجيلاني سلطان الأولياء
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - المبدعون - جديدنا

أُمتنا الإسلاميّة غنية بالرجالِ العظام، المبدعين والقدوات في كلّ مَيدان، نقفُ لنتعرّف على أحدِ هؤلاءِ القامات، إنّهُ سلطان الأولياء “عبد القادر الجيلاني”: (الإمام الفذ، محيي الدين، سلطان الأولياء، تاج العارفين، قطب بغداد).

إنّ التعرّف على حياةِ هذا العالِم الجليل، ومعرفة أسباب نبوغُه وعِلمه، هو استشفافٌ لنموذجٍ فريد لرجل أنجبهُ الإسلامُ العظيم.

فمن هو؟ وكيفَ نشأ وتعلّم؟ وما أسبابُ نبوغه في علمه؟

 

مولد عبد القادر الجيلاني

ولد عبد القادر الجيلاني في ربيع الثاني سنة (470 هـ)، في جيلان شمال غرب بلاد فارس قرب بحر قزوين، وعاش يتيمًا فوالده مات وهو صغير.

 

نسب عبد القادر الجيلاني

وأنعم به من نسب، فقد اجتمعت عنده منتهى الأنساب في العلو والرفعة والشرف فهو الحسني الحسيني الصِّدِّيقِيّ.

الحسني  من جهة والـده: ينتهي إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

الحسيني من جهة والدته: ينتهي إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

الصديقي من طرف جدته أم أبيه: فوالده أبو صالح موسى ابن السيدة أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليهم أجمعين.

 

نشأة عبد القادر الجيلاني

نشأ منذ صغر سنه زاهدًا في الدنيا، مقبلًا على الآخرة، طموحًا إلى معرفة الشريعة (مداخلها ومخارجها)، وفروع العلم، وقد ظهرت عليه علامات الولاية منذ صغره.

طلب العلم صغيرًا في جيلان، لكنّه لم يجد ما يروي طموحه وظمأه من العلم، فحدثته نفسه بالسفر إلى بغداد، حاضرة الدنيا، وعاصمة العلم والعلماء.

أخبر أمه برغبته، فشجعته رغم كبر سنِّها، وكانت قد قاربت (70) من عمرها، ولم يبق من عمرها إلا القليل، وربما لا تجتمع به مرةً أخرى في الدنيا، فضربت له موعدًا في الآخرة، تحت لواء جدهم سيد المرسلين ﷺ، فقامت بتجهيز ولدها للسفر، والدموع تنزل من عينيها، وأعطته (40) دينارًا، وخبأتها في جيبٍ خاص.

ثم أوصته وصيةً عظيمةً قائلةً له: (يا بني إياك أن تكذب، فإنَّ المؤمن لا يكذب)، وقد كانت هذه الوصية سببًا في هداية جماعةِ من قطّاع الطرق.

 

عبد القادر الجيلاني وطلب العلم

طلب العلم

بدأ طلبه للعلم وهو صغير وكان مقيمًا في جيلان من بلاد فارس، ثم انتقل إلى بغداد حاضرة العلم، فدخلها سنة (488هـ) بِنِيَّة طلب  العلم، وكان عمره آنذاك (18) سنة.

تعرض لابتلاء عظيم أول قدومه بغداد، ففقر حاله وقلة ذات يده، لم تساعده على التأقلم والعيش في بغداد فكان يُحَدِّث نفسه بالعودة إلى بلده، فقد كان معززًا مكرمًا بين أهله، لكن الله ثبَّته، يقول عن نفسه: (كنت آكل من حواشي الأنهار، وكنت أمشي حافيًا على الشوك، وكنت أنام في البراري والخرب، وكنت ألبس المرقّع والرخيص من الثياب)، حتى ظن الناس أنه مجنون وكان هذا لقبه بينهم في بداية طلبه للعلم في بغداد.

لكنه ثابر وتعب على نفسه وعاندها، وقضى (30)عامًا من عمره في طلب العلم، حتى برع في جميع العلوم وأصبح يناظر علماء عصره في شتى العلوم، كان يتكلم في (13) علمًا من علوم اللغة والشريعة، حيث كان الطلاب يقرأون عليه في مدرسته دروسًا في: (التفسير، والحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، واللغة)، وكان يقرأ القرآن بالقراءات، فنال اعتراف العلماء بفضله عليهم.

من شيوخه الذين تأثر بهم وأخذ عنهم: حجة الإسلام “أبو حامد الغزالي“، الذي سار على نهجه، وصحح له بعض الأحاديث.

 

قطب بغداد وتصدره للفتيا

ثم انتهت إليه الفتوى في بغداد، يقولون: كانت الفتاوى لا تبيت عنده، بل كان يفتي فور وصول الفتوى إليه.

وكان يفتي على مذهبين: هما (مذهب الإمام الشافعي) و (مذهب الإمام أحمد) رضي الله عنهما، وهذا يدل على تمكن الإمام عبد القادر من العلم، وكانت فتواه تُعرَض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب، فيقولون: (سبحان من أنعم عليه!).

يقول “الإمام النووي”: (كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد، وانتهت إليه رئاسة العلم في وقته، وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر، وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق، وتتلمذ له خلق لا يحصون عددًا، من أرباب المقامات الرفيعة، وانعقد عليه إجماع المشايخ والعلماء بالتبجيل والإعظام، والرجوع إلى قوله والمصير إلى حكمه، وأُهرع إليه أهل السلوك – التصوف – من كل فجٍّ عميق).

ويصفه “الإمام النووي” أيضًا فيقول: (وكان جميل الصفات، شريف الأخلاق، كامل الأدب والمروءة، كثير التواضع، دائم البشر، وافر العلم والعقل، شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه، معظمًا لأهل العلم، مُكرِّمًا لأرباب الدين والسنة، مبغضًا لأهل البدع والأهواء، محبًا لمريدي الحق، مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى الموت).

 ومن كلام “النووي” أيضًا: (وكان له كلامٌ عالٍ في علوم المعارف، شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى، سخي الكف، كريم النفس على أجمل طريقة، وبالجملة لم يكن في زمنه مثله).

وتتلمذ على يديه عدد كبير من الفقهاء والعلماء والمحدثين.

 

عبد القادر الجيلاني والتصوف

بعد أن تأسس عبد القادر علميًا، اتجه إلى أرباب القلوب وأكابر أهل الحقيقة، فأخذ عنهم علم التصوف الحق، فتصدر للوعظ والإرشاد، مع تضلعه في الكتاب والسنة.

كان أستاذه “أبو سعد المخرمي” رحمه الله تعالى قد بنى مدرسة لطيفة، ففوضت إلى عبد القادر، فأصبح يعظ الناس، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، فضاقت مدرسته بالناس، وكان يزوره خلق كثير، حتى قدّر بعضهم عدد الحضور بـ (70 ألف)، فعُمِّرت المدرسة ووُسِّعت عدة مرات، وأقام في مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفي.

بالعلم المتين، والإيمان العميق، أظهر الله الحكمة من قلبه على لسانه، حتى صار من أشهر الأولياء، الذين وقع عليهم الإجماع في ولايتهم عند جميع أمة سيدنا محمد ﷺ.

وقد مدحه “الإمام ابن تيمية” فقال: (هذا هو التصوف الحق).

أثنى عليه “الإمام أبو الحسن الندوي” في كتابه “رجال الفكر والدعوة” فقال: (لم يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النفوس، من الاشتغال بالتدريس، ونشر العلم، ونصر السنة والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع، وقد كان في العقيدة والفروع، متبعًا “للإمام أحمد” والمُحَدِّثين السلف).

استطاع الإمام عبد القادر الجيلاني، أن يوازن بين العلم والإيمان، بين الشريعة والأخلاق، ففاق علماء عصره، وحلّق فوق رؤوسهم، بجناحين: أحدهما يحمل فيه علم الشريعة، والآخر يحمل فيه علم العقيدة والسلوك والروحانيات، فكان مثالًا يحتذى به على مرِّ العصور.

 

أخلاق عبد القادر الجيلاني وعبادته

إنّ ما يميز عبد القادر الجيلاني، عن علماء عصره: روحانياته وأخلاقه، إضافة لعلمه الواسع.

أما عن روحانياته: فهو صُوفِي سُنِّي على نهج النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالصوفية ليست كلها على خطأ وضلال وبعدٍ عن شرع الله.

وأما عن أخلاقه العظيمة فهذه بعض الجوانب منها

الزهد في حياة الجيلاني

  • يقول عن نفسه: (فتَّشتُ الأعمال كلها، فما وجدت أفضل من إطعام الطعام، ولا أشرف من الخلق الحسن، أود لو كانت الدنيا بيدي لأطعمتها الجائع).
  • عاتبه أحد الأشخاص عن بذله المال بسخاء، فقال: (تأتيك الأموال وتوزعها على الناس وتبقى على فقرك؟)، فقال: (ماذا أفعل؟ فكَفِّي مثقوبٌة، لا تضبط شيئًا، ولو جائني (1000) دينار من الذهب لا تبيت عندي).

 

 الصدق في حياة الجيلاني 

حدثت له قصة في طريق سفره: اعترضت قافلتهم مجموعة من قطاع الطرق، وأخذوا كل متاع الناس وأموالهم، فلما سألوه: هل يحمل شيئًا، قال: (نعم (40) دينارًا ذهبًا)، فقاموا بتفتيشه فلم يجدوا شيء، فقالوا: (هل معك شيء، أم تراك تكذب علينا؟)، قال: (نعم معي (40) دينارًا في ثيابي)، فقالوا: (أخرجها)، فأخرجها من ثيابه، فتعجبوا من فعله هذا، وأخبروا زعيم عصابتهم،

فسأله: (لم فعلت هذا ولم تنكر وجود المال معك؟)، فقال: (عاهدت الله وعاهدت أمي ألا أكذب أبدًا)، فاهتزّ زعيم العصابة وقال: (سامحني واقبل عذري، وقد تبت إلى الله على يديك)، وما كانت توبة هذا الزعيم إلا ببركة صدق عبد القادر مع الله سبحانه وتعالى.

 

التواضع عند الجيلاني

  • كان يجالس الفقراء، ويلاطف الصغار، ويتواضع لكل الناس، وربما يقف ساعات طوال مع الناس ليقضي لهم حاجاتهم دون تململ.
  • يملك عزة نفس تمنعه أن يقوم لأحد من كبار أعيان الدولة، فلم يقف قط على باب وزيرٍ أو سلطان.

ختامًا

رحم الله سلطان العارفين وسليل بيت النبوة، الإمام عبد القادر الجيلاني، الذي وصل إلى أعلى درجات العلم، وارتقى أعلى درجات التزكية والتصوف، فكان بحق من العلماء المبدعين المجددين. وبقيت سيرته منارةً تُضيء الطريق لأبناء أمة سيدنا محمد ﷺ، وتأخذ بيدهم لنشر العلم والإيمان الحق. 

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المبدعون

أبو حامد الغزالي و الفضيل بن عياض و الإمام النووي و العز بن عبد السلام

ما هو نسبه؟

هو الحسني الحسيني الصِّدِّيقِيّ:لحسني  من جهة والـده: ينتهي إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.الحسيني من جهة والدته: ينتهي إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.الصديقي من طرف جدته أم أبيه: فوالده أبو صالح موسى ابن السيدة أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

ما قصة توبة قطاع الطرق على يديه وهو صغير

حدثت له قصة في طريق سفره: اعترضت قافلتهم مجموعة من قطاع الطرق، وأخذوا كل متاع الناس وأموالهم، فلما سألوه: هل يحمل شيئًا، قال: (نعم (40) دينارًا ذهبًا)، فقاموا بتفتيشه فلم يجدوا شيء، فقالوا: (هل معك شيء، أم تراك تكذب علينا؟)، قال: (نعم معي (40) دينارًا في ثيابي)، فقالوا: (أخرجها)، فأخرجها من ثيابه، فتعجبوا من فعله هذا، وأخبروا زعيم عصابتهم،فسأله: (لم فعلت هذا ولم تنكر وجود المال معك؟)، فقال: (عاهدت الله وعاهدت أمي ألا أكذب أبدًا)، فاهتزّ زعيم العصابة وقال: (سامحني واقبل عذري، وقد تبت إلى الله على يديك)،

كم سنة بقي في طلب العلم؟

قضى (30)عامًا من عمره في طلب العلم، حتى برع في جميع العلوم وأصبح يناظر علماء عصره في شتى العلوم، كان يتكلم في (13) علمًا من علوم اللغة والشريعة.

أين انتهى به طلب العلم؟

انتهت إليه الفتوى في بغداد، يقولون: كانت الفتاوى لا تبيت عنده، بل كان يفتي فور وصول الفتوى إليه.وكان يفتي على مذهبين: هما (مذهب الإمام الشافعي) و (مذهب الإمام أحمد) رضي الله عنهما، وهذا يدل على تمكن الإمام عبد القادر من العلم، وكانت فتواه تُعرَض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب، فيقولون: (سبحان من أنعم عليه!).

ما الذي ميز الجيلاني عن علماء عصره؟

روحانياته وأخلاقه، إضافة لعلمه الواسع.أما عن روحانياته: فهو صُوفِي سُنِّي على نهج النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالصوفية ليست كلها على خطأ وضلال وبعدٍ عن شرع الله.وأما عن أخلاقه العظيمة: يشهد له زهده وصدقه وتواضعه وسخاؤه.

اترك تعليقاً