صناعة الثورة والانقلاب عليها – سلسلة قصة وفكرة – د. طارق السويدان
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - جديدنا

كيف تتخذ الثورة مسارها؟ بنظريةٍ قادها صاحبُ فِكر أم بفعلِ شعبٍ ثارَ من أجل كرامته ولقمته

كيف ينحرف المسار الثوري؟ بفعل الثورة المضادّة أو نتيجة الصراع بين إخوة النضال بالأمس الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أعداء.

بطل القصة هو صاحب نظرية الثورة الدائمة ليون تروتسكي

من هو ليون تروتسكي ؟

ولد ليون تروتسكي عام 1879م في أوكرانيا التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية، وعاش أول 9 سنوات من حياته في مزرعة العائلة، وترعرع في أيام شبابه ودراسته بالمدارس الثانوية في مدينتي “أوديسا” و”نيكولاييف” في عائلة ابن خاله صاحب دار النشر والطباعة.

انضم إلى إحدى الجمعيات الثورية بمدينة “نيكولايف” الأوكرانية، كما شارك بتأسيس اتحاد العمال في جنوب روسيا، هذه الحركات الثورية كانت منتشرة في كل أوروبا بعد نجاح الثورة الفرنسية، وسعت للقضاء على الملكيات، وروسيا كانت ملكية ويقودها القيصر.

قادة الثورات في العالم

حمل هذه الحركات الثورية

  1. الشباب الذين هم وقود الثورات على مدى الزمان
  2. وأهم الفئات التي تبنتها كانت العمال والمثقفين

تعامل الحكومات مع الثوّارات

  • اعتقال تروتسكي بتهمة: الاشتراك في قيادة عدد من التظاهرات والإضرابات العُمّالية، وطبع الكتابات الممنوعة في “نيكولاييف”.
  • احتجز في السجن مدة سنتين
  • نُفي إلى سيبيريا لمدة أربع سنوات دون محاكمة

وهناك في المنفى وضع نظريته “الثورة الدائمة”.

نظرية ليون تروتسكي (الثورة الدائمة)

في المنفى انضم تروتسكي إلى “الاتحاد الاشتراكي الديموقراطي” في سيبيريا، واشتهر باسمه المستعار “آنتيد-أوتو” كمعلق سياسي ومحلل اجتماعي وناقد أدبي.

من خلال التأمل والتفكير، والطغيان الذي وقع عليه، آمن تروتسكي ودعا إلى:

  • وجوب أن تتعدّى الثورة حدود روسيا إلى أنحاء العالم حتى تصبح هناك ثورة عالمية
  • الطبقة العاملة الكادحة (البروليتاريا) هي وحدها القادرة على قيادة الثورات
  • عارض أي تدخل من طبقة الفلاحين؛ لأنهم يمتلكون الأراضي فلا يشعرون بمأساة العمال كما أنهم يتعاملون مع الدولة لحاجتهم لتصرف بضائعهم فخاف من تحالفهم مع البرجوازية (الطبقة الحاكمة المترفة المسيطرة).
  • كان الوحيد من الكُتّاب الذين يدافعون عن فكرة إمكانية انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا قبل أن تنتصر في أوروبا الغربية، وهذا ما حدث لاحقاً كما نظّر تروتسكي.

وأصبح تروتسكي المنظر والمفكر الرئيسي للثورة البلشفية.

العمل الثوري

هرب من المنفى عام 1902م إلى لندن، وهناك التقى بـ “لينين”، وعملا لأجل الفكرة التي أوقدها كارل ماركس: وهي استنهاض الثورة عند العُمّال على البرجوازية.

التحق بالحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي: والذي انضم إليه أثناء انعقاد مؤتمره الثاني عام 1903م، والذي حدث فيه الانشقاق التاريخي بين البلاشفة والمنشفيك:

البلاشفة: تعني الأكثرية وهي الجناح اليساري الذي يقوده لينين والذي كان يسعى إلى الثورة والتغيير بالقوة.

المنشفيك: تعني الأقلّية وهي التي تخالف أراء لينين وتدعوا إلى التغيير السلمي.

انضم تروتسكي في البداية إلى المنشفيك، ثم تركهم وانضم إلى لينين رغم ما كان بينهما من اختلافات.

نجاح الثورة

بدأ العمل الثوري يظهر بمحاولة الثورة والانقلاب عام 1908م، ولكنهم لم ينجحوا فتراجعوا وبدأ العمل السّري من خلال: تحريض الجماهير، واشتغلوا على الفكر وإشعار الناس بالألم والظلم.

بدأ الناس يرفعون مطالبهم للحكومة:

ولكن لنعلم أنَّ الحكومات الناجحة عندما يقدم الناس مطالبهم فإنها تستجيب لها بما يوازيها أو بما يزيد عنها فيهدأ الناس، وأما الحكومات الطاغية الفاشلة فإنها لا تستجيب أو تستجيب بأقل من طلبات الناس التي تزداد عليها حتى تسقطها.

تشكل الجيش الأحمر الذي قاده تروتسكي: واستطاعت الثورة الانتصار عام 1917م، ثم تشكلت حكومة انتقالية ضمّت كل من أيّد الثورة.

الحكومة الانتقالية

أصدرت عدة قرارات هامة أراحت الناس:

  • حق ممارسة الدّين الخاص: رغم أن قادة الثورة لا يؤمنون بدين ولكنهم أرادوا كسب الناس.
  • تأسيس جمعية تأسيسية حرة (برلمان).
  • وضع دستور للبلاد.

الثوار وكيفية التغيير

بعد نجاح الثورة تباينت الرؤى حول كيفية التغيير:

فاختار المنشفيك الاندماج في الحكومة المؤقتة والانتقال بشكل سلمي بالبلاد إلى الفردوس الشيوعي كما يقولون.

بينما رفع البلاشفة شعار الثورة مستمرة بقيادة القائد الروحي والسياسي لينين، وتروتسكي القائد الفكري والعسكري.

رغم أنَّ الطرفان كانا يتبنيان أفكار كارل ماركس الشيوعية.

الحكومة بعد الثورة

القاعدة تقول أن أي حكومة تأتي بعد ثورة ستفشل:

بدأ البلاشفة بتأليب العمال والعسكر على الحكومة؛ فسالت الدماء بين الطرفين، وترنح اقتصاد البلاد، ولم يترك البلاشفة الحكومة الثورية تحقق أهدافها، وأقنوا قطاعات واسعة من الناس أن الحكومة الانتقالية قد فشلت ولم تحقق مطالب الشعب؛ فلا بد من ثورة عليها.

استطاعوا الزحف على العاصمة والسيطرة عليها، فيما يعرف بالثورة البلشفية التي كانت ثورة على الثورة التي أزالت حكم القيصر.

الانتخابات الشرعية النزيهة

اعتقد البلاشفة أنهم من صنع الثورة الأولى والثانية، وظنوا أنهم يمثلون الأغلبية الكاسحة من الشعب، فقبلوا بإجراء انتخابات حرة ونزيهة للجمعية التأسيسية للدستور، تمت الانتخابات واعتبرها المؤرخون أكثر انتخابات نزيهة مرت على روسيا شارك فيها 35 مليون روسي.

ولكن النتيجة المذهلة كانت:

  • البلاشفة لم يحصلوا إلا على 25% من الأصوات
  • معظم أصوات البلاشفة كانت في العاصمة والمناطق الحضرية، وليس في الأرياف وبين العمال الذين كانوا يظنون أنهم معهم.

الانقلاب على الثورة

نتيجة الانتخابات صعقت “لينين”، وخصوصاً أن الجمعية التي تشكلت رفضت املاءاته وشروطه، فشعر بالخسارة وراح لأقصر الطرق وهو الانقلاب العسكري على أول جمعية تأسيسية منتخبة وشرعية.

تظاهر الناس ضد الانقلاب فراح البلاشفة:

  • يمارسون القتل والعنف معهم
  • أغلقوا جميع الصحف، ولم يبقوا إلا على الموالية لهم وعلى رأسها “البرافدا”.

الحرب الأهليّة

هذا الانقلاب أدى بالبلاد لحرب أهلية استمرت 4 سنوات، سقط فيها ملايين القتلى، وأعدم فيها رفاق الأمس أصحابهم بعد أن تم تخوين كل مخالف للبلاشفة، وشكّلوا لجنة هدفها متابعة أعداء الثورة.

الثورة تأكل أبناءها

  • قرر لينين الذي يمثل الروح للثورة البلشفية تعين تروتسكي العقل المدبر للثورة وزيراً للشؤون الخارجية، ثم توفي لينين فجاء ستالين واتقلب على تروتسكي وعزله، فهاجمه تروتسكي واتهمه بأنه من دسّ السّم لينين، وتعرض تروتسكي لعدة محاولات اغتيال أبرزها عام 1936م.
  • بعدها شّكل ستالين محاكم التطهير وأول من صدر بحقه حكم إعدام كان تروتسكي وابنه، الذي هرب خارج روسيا وأعطته المكسيك حق اللجوء السياسي، ثم أرسلت المخابرات السوفيتية جاسوساً وطّد علاقته مع تروتسكي في المكسيك ثم اغتاله بقتله بواسطة الفأس.
  • يقول العديد من المؤرخين أن ستالين كان حفّار لقبر الثورة البلشفية؛ فقتل معظم قادتها وحكم روسيا بحكم استبدادي عسكري لمدة 20 سنة من الطغيان والظلم حتى على الشيوعيين أنفسهم، وانتهى أمرهم في مقبرة التاريخ.

قوانين الثورة

الثورة تصنعها الشعوب لكنّ الذي يحدد اتجاهها هم أصحاب الأفكار.

يفشل كل من سيدير الحكم بعد أي ثورة.

سيحاول أعداء الثورة افشالها عن طريق:

  • سرقة الثورة وتوجيهها لمصالحهم
  • الاستعانة بالإعلام الفاسد
  • استغلال الظروف الاقتصادية الضعيفة التي تأتي بعد أي ثورة
  • تخوين زملائهم في الثورة وتصفية المنافسين

وفي الختام

يقول ليون تروتسكي: (الليبراليون سوف يخونون الثورة ويدعمون القيصر ضد العمال والفلاحين).

وأخيراً يمكنكم الإستفادة والإطلاع على المزيد من المقالات:

القيادات المستقبلية و تذوق الجمال

اترك تعليقاً