صراع الأنبياء مع بني إسرائيل
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - قصص الأنبياء - جديدنا

قصص الأنبياء فيها المعاني العظيمة والعبر الجليلة، ومنهج حياة وسيرة طاهرة ومعلم للدعاة يسيروا به على مدى الزمان، فلنرجع إلى القرآن الكريم وننهل منه قصصهم نستمتع بها ونعلّمها لأبنائنا، نتوقف في هذه المحطة مع ثلاثة أنبياء بينهم قرابة ونسب، عاشوا معًا وأرسلهم الله إلى بني إسرائيل، إنهم: زكريا ويحيى وعيسى بن مريم عليهم أفضل الصلاة والسلام.

من هو زكريا عليه السلام؟

نبي الله زكريا عليه السلام ،أرسله الله إلى بني إسرائيل، يرجع نسبه إلى نبي الله سليمان بن داود ،ويصل إلى نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم أتم الصلاة والسلام، ورد ذكره في القرآن الكريم في 7 مرات، أشرف على رعاية السيدة مريم في بيت المقدس، رزقه الله على كبر سنّه بابنه نبي الله يحيى عليه السلام، تآمر عليه اليهود وقتلوه.

رسالة زكريا عليه السلام ودعوته لقومه بني إسرائيل

قام نبي الله زكريا عليه السلام يدعو بني إسرائيل إلى عباده الله تعالى، في زمن كثرت فيه ضلالات وفجور اليهود فسفكوا دماء الأنبياء، حكم فيه ملوك نشروا الفساد في الدنيا والدين، فصبر زكريا عليه السلام على دعوتهم في بيت المقدس سنينًا طويلة، حتى تآمروا على ابنه نبي الله يحيى فقتلوه، ثم امتدّت أيدهم الغادرة إليه وسفكوا دمه.

كفالة زكريا لمريم عليها السلام

حمل امرأة عمران ونذرها

توالى الأنبياء على بني إسرائيل حتى جاء زمن زكريا عليه السلام، كان يعيش في الشام ثم انتقل إلى بيت المقدس الذي كان مكان الاعتكاف والصلاة العبادة عندهم، يتجمع فيه الرهبان ويرسل لخدمته بنو إسرائيل أبناءهم، آل عمران عائلة من أشراف بني إسرائيل، وكانت امرأة عمران حاملًا فنذرت لله أنْ يكون مولودها خادمًا في بيت المقدس {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

الله يختار نبيه زكريا لكفالة السيدة مريم

فلمّا ولدت كان مولودها أنثى ،ولم يكن من عادتهم إرسال الإناث لخدمة بيت المقدس، فاحتارت في أمرها واستشارت نبي الله زكريا عليه السلام، فأشار عليها أن تفي بنذرها وتهب ابنتها مريم لخدمة البيت المقدّس، فلما جاءت بها إلى بيت المقدس اختلف الرهبان وتنازعوا فيما بينهم على من يكون مسؤولًا عن رعايتها وكفالتها، ثم اتفقوا على أن يرمي كل واحد منهم قلمًا في النهر ،وينتظروا علامة منَ الله تعالى، فلما فعلوا سارت جميع الأقلام مع تيار النهر إلا قلم زكريا عليه السلام سار بعكس الاتجاه.

نشأة السيدة مريم ومكانتها

تكفل نبي الله زكريا بتربية ورعاية مريم عليها السلام في بيت المقدس، فنشأت صالحة تقية عابدة لله تعالى ،ثم اتخذت مكانًا اعتزلت فيه الناس، وصفها الله تعالى في القرآن الكريم بأنّها صدّيقة، وفي كثير من الأحاديث أنه كمل من النساء أربع: أفضلهم مريم بنت عمران، ثم فاطمة بنت محمد ﷺ، ثم خديجة بنت خويلد، ثم آسيا بنت مزاحم امرأة فرعون.

دعاء زكريا والبشرى بولادة يحيى عليه السلام

خصّ المولى سبحانه وتعالى السيدة مريم بالكرامات، فكان زكريا عليه السلام كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، فيتعجب ويسألها فتقول: هو من عند الله، فتمنى زكريا عليه السلام أنْ يرزقه الله ولدًا مثلها ،فأخذ يدعو الله عزّ وجل، فاستجاب الله وبشّره بالإجابة {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}.

تعجّب زكريا كيف يأتيه الولد؟! وقد بلغ من الكبر عتيًّا، وامرأته عاقر لا تنجب، فأجيب بأنّه أمر الله سبحانه وتعالى {قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء}، ففرح وطلب علامة يخبر بها الناس، فكانت العلامة أنه لن يستطيع التكلم مع الناس 3 أيام، فكانوا يسمعون صوته في الدعاء والتسبيح، فإذا أراد محادثتهم لم يستطع أنْ ينطق، فكان يشير لهم طالبًا منهم التسبيح صباحًا ومساءً {قالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}.

موت يحيى وزكريا عليهما السلام

رزق الله سبحانه نبيه زكريا بولد سمّاه الله اسمًا لم يعرفه البشر سابقًا، سمّاه (يحيى) عليه السلام وكان كما أحبّ عالمًا تقيًا ونبيًّا، في تلك الأماكن كان يحكم ملك جبار ظالم وفاجر، وكانت له ابنة أخ أو أخت جميلة جدّا وفاجرة مثله، فأراد أن يتزوّجها رغم أنّ هذا حرام في شريعتهم.

فذهب الملك إلى نبي الله يحيى يطلب منه استثناءً، فخرج يحيى عليه السلام وأعلن للناس حرمة هذا الزواج، اغتاظ الملك فلما قابل من أرادها زوجة وأخبرها بالأمر؛ طلبت منه أن يكون مهرها رأس نبي الله يحيى، فعلًا قتل نبي الله يحيى وقدّم رأسه مهرًا لبغي فاجر، ثم أرسل الملك جنوده فقتلوا أباه زكريا عليه الصلاة والسلام.

نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام

بعد ولادة يحيى عليه السلام بثلاثة أشهر ولد ابن خالته عيسى عليه الصلاة والسلام، وكانت ولادته معجزة لم يعرف لها البشر نظيرًا، تبدأ القصة ومريم عليها السلام معتزلة للناس في بيت المقدس تعبد الله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا}، وفي ذات يوم وهي في مكانها أرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام بصورة بشر جميل المنظر {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}، خافت منه عليها السلام وطلبت العون من الله {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا}، فأجابها مطمئنًا { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا}.

كانت مريم عليها السلام عالمة تؤمن بالملائكة، وقد أنبتها الله نباتًا حسنًا فكانت تبدو أكبر من سنّها، ولكن هالها أنْ يكون لها ولد؛ فهي لم تقرب الرجال بزواج، وليست عاصية لله تعالى {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}، ولكنه أمر الله بقول كُنّ فلا جدال ولا نقاش {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا}.

نفخ جبريل عليه السلام في شق ثوب مريم منْ جهة الصدر فحملت بعيسى عليه السلام، ولما بدأت تظهر عليها علامات الحمل تركت مكانها ،وانطلقت مبتعدة عن الناس حتى وصلت بيت لحم {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا}.

مخاض مريم عليها السلام ورعاية الله لها

التجأت مريم عليها السلام إلى جذع نخلة لما جاءها المخاض {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}، وهناك أدركتها العناية الإلهية:

  • ناداها جبريل مطمئنًا ألا تخاف.
  • أجرى الله بجوارها جدول ماء.
  • أمرها أن تهز جذع النخلة فأسقط لها رطبًا.

{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}.

لقاء مريم قومها تحمل طفلها

اطمأنّت مريم عليها السلام لعناية الله بها، فأخذت ولدها وعادت إلى قومها {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}، استهجن قومها حالها؛ فقد كانوا يشبهونها في العبادة بنبي الله هارون عليه السلام، وهي من عائلة كريمة لأبوين شريفين {يا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}.

نبي الله عيسى يتكلم في المهد

معونة الله ومعجزاته لم تفارق السيدة مريم في هذا الموقف الحساس { فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، هناك ظهرت المعجزة فبدأ هذا الطفل المولود حديثًا يخاطب الناس، فأخذوا ينصتون لكلامه {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}، أخبرهم أنه سيكون نبيًا ذو مكانة وشأن -فهو من أولي العزم من الرسل-، أوصاه المولى سبحانه بالصلاة والزكاة وبالبر بوالدته، ولم يكن من الأشقياء وتحيّة الله له يوم ولادته ويوم وفاته.

مواقف الناس من نبي الله عيسى

بيّن الله سبحانه وتعالى حال عيسى عليه السلام، فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى أمّه مريم البتول {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

تناقل الناس الخبر فرماه اليهود بالسحر، واتهموا السيدة مريم الطاهرة بالزنى، وبدأوا يراقبونه عن كثب ويوغرون صدر الملك ضدّه، فخافت السيدة مريم عليه وخرجت به من بيت المقدس.

معجزات عيسى عليه السلام

ولما شبّ وكبر رجع إليهم رسولًا مؤيدًا بالمعجزات:

{وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي:

  • أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ
  • وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ
  • وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ
  • وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ

إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

رغم كل هذه المعجزات والآيات البينات لكن اليهود جحدوا، فأراد عيسى عليه السلام أنْ يحثّ أنصاره فلم يجد إلا 12 رجل من الحواريين {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

الله يرفع عيسى بن مريم عليه السلام

بدأ الملك يشعر بخطر نبي الله عيسى على دين اليهود وعلى ملكه بالدرجة الأولى، فكان أحبار اليهود يحرّضونه بشدّة حتى جاء الأمر من الملك بقتله، فاجتمع عيسى عليه السلام بالحواريين:

وأخبرهم بما دبّر له، وطلب منهم أن يتطوعّ أحدهم ليلقى عليه ،شببه فيقتل مكانه ويكون معه في الجنة، فتطوع أحدثهم سنًّا، ورفع المسيح من نافذة أمامهم.

ثم جاء اليهود وألقوا القبض على هذا الشاب وصلبوه {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}.

رفع الله سبحانه نبيّه عيسى بن مريم عليه السلام، وجعله علامة من علامات الساعة، يرجع فيها إلى الحياة الدنيا فيحكم بدين الله الإسلام، ويملأ الأرض عدلًا ثم يقبضه الله تعالى ويتوفّاه.

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات

السيرة النبوية و قصص الصحابة ونساء خالدات

اترك تعليقاً