الإمام أبو حنيفة وعلاقة العقل بالدين
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - قصة وفكرة - جديدنا

ذكر أحدهم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يهوديًا، فقام أحد الأئمة بزيارة هذا الرجل، وقال له أن أحد العلماء يرغب بالزواج من ابنته، وأنه تقي نقي صالح مخلص تتجلى فيه كل صفات الكمال، فقال الرجل: ومن يرد صاحب هذه الصفات؟ فقال العالم: لكنه يهودي، فقال الرجل: أتريدني أن أزوج ابنتي لرجل يهودي؟

فقال هذا العالم: أنت رفضت تزويج ابنتك لرجل يهودي، وتتهم رسول الله أنه زوج ابنتيه لرجل تصفه باليهودي؟ كيف استقام لك ذلك؟ فأقام عليه الحجة واعتذر الرجل عن مقولته في حق سيدنا عثمان، فمن صاحب هذا الحوار والاستدلال بالعقل في بيان صواب هذه المسألة؟ أنه مؤسس مدرسة الفكر العقلي أبو حنيفة النعمان.

 

نشأة الامام ابو حنيفة

إنه النعمان بن ثابت بن المرزبان، نشأ في الكوفة في العراق، في وقت كانت الفرق تموج بالفئات والفرق والمناظرات العقائدية، والفكرية والفقهية، تشرب العلوم من مشارب مختلفة، وتعلم على كثير من المشايخ، فازداد سعة من العلم والمنطق، وصب ذلك كله في دراسته وتدريسه للفقه.

 

مجلس الامام ابو حنيفة

كان للإمام أبو حنيفة رحمه الله منهج فريد في تقرير مسائل الاجتهاد، وذلك عن طريق عرض المسألة على تلاميذه في الدرس ليدلي كلٌّ بدلوه، ويذكر ما يرى لرأيه من حجة، ثم يعقِّب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوِّب صواب أهل الصواب، ويؤيده بما عنده من أدلةٍ، ولربما تقضَّت أيام حتى يتم تقرير تلك المسألة.

وهذه هي الدراسة المنهجية الحرة الشريفة التي يظهر فيها احترام الآراء، ويشتغل فيها عقل الحاضرين من التلامذة، كما يظهر علم الأستاذ وفضله، فإذا تقررت مسألة من مسائل الفقه على تلك الطريقة، كان من العسير نقدها فضلًا عن نقضها.

جلس تلميذاه أبو يوسف وزفر عن يمينه ويساره، من صلاة الفجر حتى صلاة الظهر وكل منهما يدلي برأيه في مسألة واحدة فقط، لما انتهى نقاشهما ضرب أبو حنيفة على قدم أبي يوسف مؤيدا له، وهكذا تطور تلاميذه من طور التلقي إلى طور الاساتذة في حضوره.

لذلك كانت مجالسه تتعالى فيها الأصوات، وتحتد النقاشات، وأبو حنيفة يستمع لهم، وكان غيره من العلماء إذا مروا بحلقته يتعجبوا من هذا المجلس وهذا النقاش العلمي، ولهذا برع أبو حنيفة وتلاميذه في التفنن في الاجتهاد وتحديدًا في القياس.

 

ابو حنيفة والقياس

كان الإمام يقول: (إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ، أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا).

هذا منهج الإمام أبي حنيفة:

  •  القرآن الكريم عند الإمام أبي حنيفة هو المصدر الأول والأعلى في مسائل الفقه.
  •  أحاديث رسول اللهالصحيحة.
  •  ما أجمع عليه أصحاب الرسول ، فإذا اختلفوا فيه لا يخرج عن أقوالهم إلى أقوال غيرهم، بل يختار القول الذي يقنعه بالدليل والقرآن.
  •  إذا لم يتكلم الصحابة في هذه المسألة، وصارت الأمور عند المجتهدين يدلون بآرائهم، فإنه يعمل عقله واجتهاده ولا يأخذ برأي غيره من المجتهدين.

فمبدأ أبي حنيفة النعمان الأخذ بالنقل (القرآن الكريم والسنة الصحيحة والأدلة)، والعقل (الأدلة المنطقية والبراهين) لكنه يقدم النقل أولاً.

 

قصة الامام ابو حنيفة مع الامام محمد الباقر

لقي الإمام محمد الباقر أبا حنيفة فقال له: أنت أبو حنيفة الذي غيرت دين جدي؟ فقال اجلس واسمع مني يا إمام:

أيهما أضعف في دين جدك، الرجل أم المرأة؟ فقال: المرأة، فقال أبو حنيفة: أيهما له الضعف في الميراث؟ قال: الرجل، قال أبو حنيفة: لو كنت أعمل بالرأي وأترك دين جدك لقلت المرأة أضعف، فتستحق ضعف ما يستحق الرجل، لكني لم أقل ذلك، لأن حديث النبي مقدم عندي على رأيي.

  1.   أيهما أعظم الصلاة أم الصيام؟ قال محمد الباقر: الصلاة، فقال أبو حنيفة: فلماذا أمرت المرأة بقضاء الصيام دون الصلاة؟ مع أفضلية الصلاة.
  2.   أيهما النجس البول أم النطفة؟ فقال البول، فقال أبو حنيفة: فلماذا يتوضأ من البول ويغتسل من النطفة؟ ولو كنت آخذ بالرأي لقلت يغتسل من البول ويتوضأ من النطفة.

ثم قال أبو حنيفة: إنما فعلت ذلك، لأن العراق فيها طوائف وفرق تحب التجديد، فأردت أن أحمل الناس على دين جدك، لكن وفق منهج عقلي علمي، فما كان من الإمام الباقر إلا أن قام وقبل رأس أبي حنيفة.

 

الخلاف بين مدرستي الرأي والاثر

الرأي: هو الاجتهاد العقلي.

الأثر: هو ما وصلنا من النصوص المأثورة عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والمجتهدين الكبار من العلماء السابقين رحمهم الله تعالى.

قامت في زمن أبي حنيفة مدرستين، ما زالتا قائمتان إلى الآن: مدرسة أبي حنيفة هي مدرسة الرأي (العقل) وموطنهم العراق، يقابلها مدرسة الأثر (النقل) وموطنهم الحجاز.

 

العبادات والمعاملات

وأبرز مواطن الخلاف بينهما كانت في المعاملات الشرعية وليس في العبادات، فالقضايا الشرعية تندرج تحت صنفين رئيسيين: عبادات ومعاملات.

فالعبادات: من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها، نلتزم فيه بالنص كما جاء لا نجتهد بالعقل، لأننا يجب أن نعبد الله كما يريد هو وليس كما نريد نحن، مثال ذلك: لو أردت أن أصلي المغرب سبع ركعات، أليس أفضل من أن أصليها ثلاث ركعات؟ فيها ركوع أكثر وسجود أكثر، لكن في هذه الحالة نحن نصبح المشرعين وليس الله، وهذا لا يجوز.

إذاً في قضايا العبادات باب الاجتهاد ممنوع ومقفل.

وأما في قضايا المعاملات: فإن كان هناك نص صحيح واضح وصريح المعنى، لا يجوز لنا أن نجتهد ونعمل عقولنا، (والقاعدة الفقهية تقول: لا اجتهاد مع النص)، مثال ذلك: مسألة المواريث التي ذكرها أبو حنيفة للإمام محمد الباقر.

أما إذا كان النص غير واضح أو الحديث غير صحيح، نستعمل العقل لمحاولة الوصول لحكم شرعي:

  • لا يتناقض مع الأحكام الشرعية الأخرى.
  • يحقق أهداف الدين التي تسمى مقاصد الشريعة.
  • يحقق مصالح العباد، يقول ابن قيم الجوزية: (حيثما كانت مصلحة العباد فهناك دين الله).

 

ملامح الخلاف بين المدرستين

1- مدرسة الأثر: لا تأخذ بالرأي إلا اضطرارًا، فهم يأخذون بالنص حتى لو كان ضعيفًا، ولا يستخرجون أحكام لمسائل لم تحدث بعد.

أما مدرسة الرأي: يجتهدون في كل نص لم يصح به حديث، ويفترضون مسائل غير واقعية لكن ممكن لها أن تحدث.

2- مدرسة الأثر: كانت تخشى من الجرأة والتهجم على التحليل والتحريم بالرأي، فكانت تعتمد على الحديث ولو كان ضعيفًا.

أما مدرسة الرأي: فكانت تخشى الكذب على رسول الله؛ فلذلك أي حديث مشكوك بصحته يبتعدون عنه، وأقلوا من الرواية، وقالوا بالرأي.

عندما تكلم أبو حنيفة بالرأي لم يأت ببدعة، فهذا “عبد الله بن مسعود” كان يؤثر الفتوى بالرأي على أن يكذب رسول الله ، والذي قام به أبو حنيفة الاستدلال العقلي بتفاصيله، هو صنع منهجية تفصيلية في الفقه وتوسع في القياس، وبراعة في الاستحسان.

 

ابو حنيفة والشافعي

نقل عن “الشافعي” في رسالته قوله: (أما القياس فهو الاجتهاد، هل هما مفترقان؟ فأجاب: بل هما اسمان لمعنى واحد).

وفي قصيدة للإمام الشافعي وتنسب لابن المبارك:

قد زان البلاد ومن عليها                     إمـام المسـلمين أبو حـنيفة

رأيت العائبين له سفاها                    خلاف الحق مع حجج ضعيفة

ويقول الشافعي: الناس في الفقه عيال على فقه الإمام أبي حنيفة.

 

النتيجة

لا يوجد تعارض بين العقل والدين، بين العقل والنص إذا كان هناك منهجية واضحة.

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات

الوعي ومفهومه وفوائده و تعلم فنون الإقناع ومهاراته و مفهوم الحضارة والقوانين التي تحكمها

الأسئلة الشائعة

كيف كانت نشأة الامام ابو حنيفة

نشأ في الكوفة في العراق، في وقت كانت الفرق تموج بالفئات والفرق والمناظرات العقائدية، والفكرية والفقهية، تشرب العلوم من مشارب مختلفة وتعلم على كثير من المشايخ، فازداد سعة من العلم والمنطق، وصب ذلك كله في دراسته وتدريسه للفقه.

كيف كان مجلس الامام ابو حنيفة

كانت مجالسه تتعالى فيها الأصوات، وتحتد النقاشات، وأبو حنيفة يستمع لهم، وكان غيره من العلماء إذا مروا بحلقته يتعجبوا من هذا المجلس وهذا النقاش العلمي،

لماذا كانت مجالسه تتعالى فيها الأصوات؟

ان للإمام أبو حنيفة رحمه الله منهجا فريداً في تقرير مسائل الاجتهاد، وذلك عن طريق عرض المسألة على تلاميذه في الدرس ليدلي كلٌّ بدلوه، ويذكر ما يرى لرأيه من حجة، ثم يعقِّب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوِّب صواب أهل الصواب، ويؤيده بما عنده من أدلةٍ، ولربما تقضَّت أيام حتى يتم تقرير تلك المسألة،

ما منهج أبو حنيفة في القياس

يجيب عن نفسه فيقول: (إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ؟ أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب فلي أن أجتهد كما اجتهدوا).

هل من خطورة حول الخلاف بين الرأي والأثر؟

لا يوجد تعارض بين العقل والدين، بين العقل والنص إذا كان هناك منهجية واضحة.

اترك تعليقاً