الإمام البخاري صاحب أصح كتب البشر
تاريخ النشر: - تاريخ التعديل: - قصص التابعين - جديدنا

في قصص التابعين وأخلاقهم وعلمهم، العبر والمعاني والقدوة للشباب، من هؤلاء العظماء “الإمام البخاري”، أعطاه الله ذاكرة فملأ سمع الدنيا وبصرها، فكان إذا ذكر اسمه عُرف به صحّة حديث رسول الله ﷺ.

رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث

بدأ الإمام البخاري رحلته من مدينته التي نشأ بها “بخارى”، فسمع من شيوخ بلده، ثم توسع ورحل إلى الأقاليم المجاورة ليسمع من شيوخها، فرحل إلى (بلخ، ومرو، والريّ، وهراة، ونيسابور)، ثم انطلق إلى العراق يقول عن نفسه: (دخلت بغداد 8 مرات، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل)، فقال لي في آخر ما ودعته: (يا أبا عبد الله، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان).

كما ارتحل إلى الحجاز فدخل مكة، ثم رحل إلى المدينة النبوية فاستقرّ بها مدّة، ثم انطلق في الأمصار حتى شملت رحلاته أغلب الحواضر العلمية في وقته، فرحل إلى الشام ومصر.

 

الإمام البخاري قبلة في العلم

لحرص البخاري واجتهاده اشتهر بين العلماء حتى أثناء طلبه للحديث، فيروي أهل المعرفة من البصرة أنّ الناس كانوا يخرجون لاستقباله ويجرون وراءه لطلب المعرفة وهو شابّ، فحاصروه يومًا في أحد الطرق حتى بلغ عددهم ألوفًا، يقول يوسف بن موسى: (كنت في البصرة في جامعها إذ سمعت مناديًا ينادي، يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقام الناس من المجلس في طلبه، فقمت معهم فرأينا شابًّا يصلّي، فلمّا فرغ أحاطوا به وسألوه أنْ يعقد لهم مجلسَ الإملاء، فلما كان الغد اجتمع عليه قريبٌ مِنْ كذا وكذا ألف).

دخل البخاري نيسابور فاستقبله الناس بالحفاوة والتكريم والتعظيم، قال محمد بن يعقوب الأخرم: (سمعت أصحابنا يقولون: لما قدم البخاري نيسابور استقبله 4,000 رجل ركبانا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرّجالة).

 

قوة حفظ الإمام البخاري

الإمام البخاري يصحح للكتّاب بحفظه

كان الإمام البخاري لا يكتب، فلامه في ذلك اثنان مِنَ التلاميذ معه كتبا (15) ألف حديث، فلما قارنوا حفظه بكتابتهم وجدوا أنّ حفظه أدقُّ منها، واشتهر عنه ذلك فقد كان يقول: (أحفظ 100 ألف حديث صحيح، و200 ألف حديث غير صحيح)، وكان يأخذ الكتاب من العلماء فيطّلع عليه مرة واحدة، فيحفظ عامّة أطراف الأحاديث فيها.

ورحل الإمام البخاري في طلب الحديث في البلدان، يبحث عن حديث رسول الله ﷺ، يدقق فيمن يأخذه عنه فلا يأخذ إلا عن الثقات، يقول قبل موته: (كتبت عن 1080 رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، وكانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص -عقيدة أهل السنة-).

 

اختبار قوة حفظ الإمام البخاري

  • يقول أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: (سمعت عدة مشايخ يحكون أنّ محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا، وعمدوا إلى (100) حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى كل رجل منهم عشرة أحاديث من هذه الأحاديث المقلوبة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، فلمّا اجتمع الناس سأله أولهم عن العشرة الأولى، فقال البخاري: لا أعرفه، ثم سأله الآخر، فقال: لا أعرفه.

فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهمنا، ومن كان ليس بفقيه يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، وهكذا حتى أتموا المئة حديث، فلمّا علم البخاري أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، واندهش الناس ليس من معرفته بالحديث الصحيح ولكن من حفظه للحديث المقلوب، وهكذا أعادها حديثًا حديثًا، وفعل مع الآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقرّ له الناس بالحفظ والعلم وأذعنوا له بالفضل).

  • يروي أبو الأزهر يقول: (كان بسمرقند (400) ممنْ يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلّقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن).

 

كتاب صحيح البخاري

ألّف كتبًا في الحديث والأدب والتاريخ، فبدأ البخاري تأليفه للكتب وعمره 18 سنة، فكتب في قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، يقول: (صنفت “كتاب التاريخ” إذ ذاك عند قبر النبي ﷺ، وقلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب).

ولكنه اهتم بشكل كبير بكتابه العظيم: “الجامع الصحيح” الذي اشتهر بـ (صحيح البخاري)، أصحُّ كتاب بعد كتاب الله عزّ وجل، يقول عنه علماء الحديث: (هو أعلى الكتب الستة سندًا إلى النبي ﷺ)؛ ذلك أنّ البخاري كان في سنّه أكبر العلماء الستة: (البخاري – مسلم – أبو داود – النسائي – الترمذي – ابن ماجه)، وكان الخمسة الباقون يرون عنه الحديث.

 

قصة تأليف صحيح البخاري

قال البخاري في سبب تصنيفه لكتابه الصحيح: (كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب)، وقد جمع فيه البخاري حوالي 7 آلاف حديث، اختارها من بين 600 ألف حديث يحفظها.

 

دقة الإمام البخاري في جمعه الحديث

حرص الإمام البخاري على أنْ تكون أحاديثه في أعلى درجات الصحة، يروى أنه ذهب لأخذ حديث منْ أحدهم فوجده يتبع بعيرًا قد هرب، ثم حرّك ثوبه ليظهر له أنّ لديه طعامًا، فتوقف البخاري وقال: (الذي يكذب على حيوان لا آمنه أن يكذب على رسول الله).

واشترط الإمام البخاري شروطاً خاصة ودقيقة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصراً لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معاً، هذا إلى جانب وجوب اتصاف الراوي بالثقة والعدالة والضبط والإتقان والورع.

 

منهج البخاري في صحيحه

  • كان الإمام البخاري يقول: (ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين، وما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صحّ، وتركت أحاديث كثيرة كي لا يطول الكتاب).
  • يقول محمد بن أبي حاتم قلت لأبي عبد الله البخاري: (تحفظ جميع ما أدخلت في المصنف؟ قال: لا يخفى عليّ جميع ما فيه، وسمعته يقول: صنّفتُ جميع كتبي ثلاث مرّات).
  • كان البخاري لا يستعجل ويتأنى في انتقائه للأحاديث، يقول أحد تلاميذه: (بتُّ عنده ذات يوم، فأحصيت أنّه قام أشعل النور يستذكر أشياء يكتبها 18 مرة).
  • يقول الإمام البخاري: (كنت إذا كتبت عن رجل، سألته عن اسمه وكنيته وحمله وفهمه للحديث، فإن لم أكن سألته فلا أكتب عنه).
  • يقول عباس الدوري: (ما رأيت أحدًا يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إلا قلعه، فلا تدعوا من كلامه شيئًا إلا كتبتموه).

 

من أخلاق الإمام البخاري

يقول حسين بن محمد السمرقندي: كان محمد بن إسماعيل البخاري مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، ولا يطمع فيما عند الناس، ولا يشتغل بأمور الناس).

عبادة الإمام البخاري وخشيته لله

يقول أكثر من صاحبه محمد بن أبي حاتم: (كان أبو عبد الله يصلي في وقت السّحر ثلاثة عشر ركعة، وكان لا يوقظني، فقلت: أراك تحمل على نفسك ولم توقظني، فقال: أنت شابّ، ولا أحبّ أن أفسد عليك نومك).

وله مواقف عجيبة في حياته، يقول بكر بن منير: (سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أنْ ألقى الله ولا يحاسبني أنّي اغتبت أحدًا، قلت: صدق رحمه الله، فنظرت في كلام البخاري في الجرح والتعديل فعلمت ورعه في كلامه في الناس، فكان عندما يضعّف إنسانًا فيقول: منكر الحديث، أو سكتوا عنه، أو فيه نظر، أو نحو ذلك، ونادر أن يقول فلان كذّاب إلا أن يكون يؤلف الأحاديث تأليفًا، وكان يعلم تلاميذه فيقول: إذا قلت فلان في أحاديثه نظر فهو متّهم واهٍ، فلا ترون عنه).

 

علم الإمام البخاري

كان الإمام البخاري صاحب نور وحكمة وله كلمات جميلة، يقول: (لا أعلم شيئًا يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة)، ويقول: (ما جلست إلى الناس حتى علمت الصحيح من السقيم، وحتى نظرت في عامّة كتب الرأي، وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثًا صحيحًا إلا كتبته، إلا ما لم يظهر لي).

يقول البخاري: (دخلت بلخ فسألوني أن أملي عليهم حديثًا واحدًا لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ).

قال سليمان بن مجاهد: (كنت عند محمد بن سلام فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث، فخرجت في طلبه فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: نعم وأكثر، ولا أجيبك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا من عرفت مولدهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظًا عن كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ).

 

قصص في ورع الإمام البخاري

تعلّم الإمام البخاري الورع والزهد في الدنيا من أبيه، يروي محمد بن حفص يقول دخلت على أبي الحسن والد الإمام البخاري فقال: (والله لا أعلم من مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة)، فتصاغرت إليّ نفسي عند ذلك.

كان الإمام البخاري حريصاً على حقوق الناس متحرّياً لرد الحقوق إلى أصحابها، فمن ذلك ما رواه محمد بن أبي حاتم قال: (ركبنا يوماً إلى الرمي، وأصاب سهم أبي عبد الله (البخاري) وتد القنطرة الذي على نهر، فانشق الوتد، فلما رآه أبو عبد الله نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد، وترك الرمي.

وقال لنا: ارجعوا. ورجعنا معه إلى المنزل، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة، تقضيها؟ قلت: أمرك طاعة. قال وهو يتنفس الصعداء: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة، فتقول له: إنا قد أخللنا بالوتد، فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حل مما كان منا.

وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر، فقال لي: (أبلغ أبا عبد الله السلام، وقل له: أنت في حلٍّ مما كان منك، وجميع ملكي لك الفداء)، فأبلغته رسالته، فتهلل وجهه، واستنار، وأظهر سرورًا، وقرأ في ذلك اليوم على الغرباء نحوا من خمس مائة حديث، وتصدق بثلاث مائة درهم.

وكان للإمام البخاري شيء من التجارة يعتاش منها، وكان مثالًا للتاجر الصدوق الذي لا يغشّ، قال الخطيب البغدادي: (كان حُمِلَ إلى محمد بن إسماعيل بضاعة، فاجتمع التجار بالعشية فطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجار آخرون، فطلبوا منه تلك البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى أولئك، ولا أحبّ أن أنقض نيتي).

 

ثناء العلماء على الإمام البخاري

  • قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري).
  • قال يحيى بن جعفر: (لو قدرت أنْ أزيد منْ عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم).
  • قال الإمام نعيم بن حماد: (محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة).
  • قال إسحاق بن راهويه: (اكتبوا عن هذا الشاب، فلو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه الناس، لمعرفته بالحديث ولفقهه).
  • قال علي بن حجر: (أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة الرازي بالرّي، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل عندي أبصرهم، وأعلمهم، وأفقههم).
  • قال حاتم بن مالك الورّاق: (سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا، وفقيهنا وفقيه خراسان).
  • قال ابن خزيمة: (ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له مِنْ محمد بن إسماعيل البخاري).
  • قال الإمام مسلم بن الحجاج للبخاري: (دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله).

 

محنة الإمام البخاري

الحسد داء بين العلماء

التفّ الناس وطلاب العلم والمحدّثون حوله، حتى هجروا مجالس المحدّثين الآخرين، مما كان سببا في إيغار صدور البعض عليه، فأرادوا صرف الناس عنه، فشغبوا عليه بمسألة خلق القرآن، قال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: (ذكر لي جماعة من المشايخ أنَّ محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور واجتمع الناس عليه؛ حسده بعض من كان في ذلك الوقت من المشايخ، لمّا رأى من إقبال الناس عليه،

فقالوا لأصحاب الحديث: إنَّ محمد بن إسماعيل يقول اللفظ بالقرآن مخلوق فامتحنوه، فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثًا، فالتفت إليه البخاري في الثالثة فقال: (القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه).

 

الإمام البخاري يفوّض أمره لله

جاء رجل يريد إثارة الفتنة، قال أحمد بن سلمة النيسابوري: (دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول، خصوصًا في هذه المدينة، وقد لجَّ في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أنْ يكلمه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور شرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وإنما أبت عليّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير، يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي).

توجّه الإمام البخاري عائداً إلى بلدته بخارى بعد خروجه من نيسابور، فاستقبله الناس هناك بحفاوة وإكرام بالغين، قال أحمد بن منصور الشيرازي: (لما قدم البخاري بخارى نصب له القباب على فرسخ من البلد، واستقبله عامة أهل البلد ونثر عليه الدنانير والدراهم والسكر الكثير)، فمكث مدّة يحدّث في مسجده.

 

الأمير يخرج الإمام البخاري

طالب أمير بخارى “خالد بن أحمد” من الإمام البخاري أنْ يحضر إلى منزله ويقرأ كتبه على أولاده، فامتنع البخاري من ذلك لئلا يحابي ناسًا دون آخرين، وقال لرسوله: (أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فأحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة إني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار»)، فبقى في نفس الأمير من ذلك وكان هذا سبب الوحشة بينهما، ثم جاءته الوشاية فأمره بعد ذلك بالخروج من بخارى، فخرج منها.

 

وفاة الإمام البخاري

توفي الإمام البخاري ليلة عيد الفطر وكان عمره 62 سنة، روى محمد بن أبي حاتم قصة وفاته فقال: (سمعت غالب بن جبريل وهو الذي نزل عليه أبو عبد الله يقول: أقام أبو عبد الله عندنا أياماً فمرض واشتد به المرض، حتى جاء رسول إلى سمرقند بإخراجه، فلما وافى تهيأ للركوب، فلبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقود الدابة ليركبها، فقال رحمه الله: أرسلوني فقد ضعفت، فدعا بدعوات ثم اضطجع، فقضى رحمه الله).

وكان فيما أوصى إلينا: (أنْ كفنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك، فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية فدام على ذلك أياماً، وظهر عند مخالفيه أمره بعد وفاته وخرج بعضهم إلى قبره وأظهر التوبة والندامة).

يكفيه حديث النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فقد ترك لنا أصحّ كتاب بعد كتاب الله عزّ وجل، مرجعًا عظيمًا لأهل السنة، فأي علم أنفع مما ترك البخاري؟!

 

وفي الختام: لا تنس مشاركة هذه المقالة مع الأصدقاء.

كما يمكنك الاستفادة والاطلاع على المزيد من المقالات:

قصص الصحابة و الأئمة الأربعة و التاريخ الإسلامي

 

الأسئلة الشائعة

إلى أين رحل الإمام البخاري في طلب الحديث؟

بدأ الإمام البخاري رحلته من مدينته التي نشأ بها “بخارى”، فسمع من شيوخ بلده، ثم توسع ورحل إلى الأقاليم المجاورة ليسمع من شيوخها، فرحل إلى (بلخ، ومرو، والريّ، وهراة، ونيسابور)، ثم انطلق إلى العراق يقول عن نفسه: (دخلت بغداد 8 مرات، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل)، فقال لي في آخر ما ودعته: (يا أبا عبد الله، تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان).
كما ارتحل إلى الحجاز فدخل مكة، ثم رحل إلى المدينة النبوية فاستقرّ بها مدّة، ثم انطلق في الأمصار حتى شملت رحلاته أغلب الحواضر العلمية في وقته، فرحل إلى الشام ومصر.

من علامة قوة حفظ البخاري؟

يروي أبو الأزهر يقول: (كان بسمرقند (400) ممنْ يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلّقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن).

ما هي قصة تأليف صحيح البخاري؟

قال البخاري في سبب تصنيفه لكتابه الصحيح: (كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب)، وقد جمع فيه البخاري حوالي 7 آلاف حديث، اختارها من بين 600 ألف حديث يحفظها.

من أخلاق الإمام البخاري؟

يقول حسين بن محمد السمرقندي: كان محمد بن إسماعيل البخاري مخصوصًا بثلاث خصال مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، ولا يطمع فيما عند الناس، ولا يشتغل بأمور الناس).

ماذا قال العلماء في الثناء على الإمام البخاري؟

- قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري).
- قال الإمام نعيم بن حماد: (محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة).
- قال إسحاق بن راهويه: (اكتبوا عن هذا الشاب، فلو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه الناس، لمعرفته بالحديث ولفقهه).
- قال حاتم بن مالك الورّاق: (سمعت علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا، وفقيهنا وفقيه خراسان).
- قال ابن خزيمة: (ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له مِنْ محمد بن إسماعيل البخاري).
- قال الإمام مسلم بن الحجاج للبخاري: (دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله).

اترك تعليقاً