جمال العربية

 

مقدمة

قبل أيام بدأنا عاما هجريا جديدا نسأل الله أن يباركه للجميع وأن يجعله عام خير ويمن وعزة ونصر، وفي الهجرة النبوية وماسبقها من الأحداث دروس عظيمة، ومعان قيّمة،، ولسنا في معرض الحديث عن الهجرة النبوية الشريفة إنما نشير إلى درس عظيم من دروسها نحتاجه في سياق حديثنا عن أزمات الأمة وهو فن التعامل مع الصعوبات والمعوقات وفن صناعة الأمل في أحلك الظروف وأقسى الأوقات.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لقي من أنواع الأذى مالم يلقه أحد، ووضعت في وجهه العقبات وسدت أمامه الطرق وهو مع هذا كله صابر يدعو إلى الله عز وجل، لاتثنيه عقبة، ولاييأس ولا يكل ولايمل، وهذا مانحتاجه اليوم في عصر أصبحت النهضة فيه أمرا شاقا، والخروج من الأزمات المتعاقبة شيئا يشبه المستحيل، لكن لامستحيل مع الهمة والطموح والمحاولة، وهذا أول دروس الهجرة، كما أن الأمل حي لايموت حتى في أحلك الظروف، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مطارد في طريقه إلى المدينة المنورة سراقة بن مالك بتاج كسرى وإسورتيه، فكان الأمل حي في قلبه حتى في ذلك الظرف الصعب، وحصل مابشر به النبي صلى الله عليه وسلم.

نعود بعد هذه المقدمة السريعة لنستعرض أزمة جديدة من أزمات أمتنا اليوم، وهي أزمة قد لايهتم لها البعض لكنها بلاشك أزمة تستحق الدراسة وتستوجب التوقف عندها، لأنها تتعلق بلغتنا، واللغة أحد مكونات الثقافة والحضارة. هذه الأزمة هي غياب الذوق اللغوي، وعدم الإحساس بجمال اللغة والتعبير والتركيب، وهبوط مستوى الكلمة والإحساس بها.

 

العربية لغة جمالية

اشتهر العرب منذ القدم بالبلاغة والبيان والفصاحة والشعر، والمطلع على العربية وعلى غيرها من اللغات يعلم مدى توسعها وشمولها وإبداعها في البلاغة وحسن تركيب الكلام وسحره وبيانه، علاوة على أن فيها من الدقة وتصريف الكلمات واشتقاقها ما لاتجده في غيرها، كما أن الإعراب ميزة إضافية تمتاز بها اللغة العربية، كما أن العرب اشتهروا بمناظراتهم الشعرية والأدبية، والأسواق التي كانوا يقيمونها لذلك كسوق عكاظ، كما اشتهرت عندهم المعلقات وهي أجمل القصائد وأبدعها وأفصحها والتي كانوا يعلقونها على جدار الكعبة المشرفة كما تؤكد بعض الروايات.

والعربي فصيح بطبعه، وما كانوا يتعلمون اللغة كما أصبح الناس يتعلمونها بعد أن دخلها اللحن وأفسدتها اللغات الأخرى بل كان العرب بليغا بطبعه

كما يقول أحدهم

      ولست بنحوي يلوك لسانه       ولكن سليقيّ يقول فيعرب

أي يقول فيفصح القول لأن الإعراب معناه الإفصاح.

 

سحر اللغة

كان للكلمة سحر في نفوس العرب قبل أن تفسد الأذواق وتموت البلاغة، فكانت الكلمة البليغة تفعل فعلها، وتطرب العقول والقلوب والنفوس.

وقد كان العربي البليغ حينما يسمع كلاما فصيخا أو أبيات بليغة يصير لها لبه، وربما أغشي عليه من وقعها وجمالها وسنورد على ذلك أمثلة لنقارن ماسنذكره من بلاغة وفصاحة بما يتلى على مسامعنا كل يوم من كلام ركيك ثقيل باهت.

 

يغمى عليه من الإبداع!!

كان الشاعر ( دعبل الخزاعي ) من أروع وأبدع الشعراء في العصر العباسي وكان شديد الحب لآل البيت حتى يذكر البعض أنه غالى فيهم كثيرا.

ذهب هذا الشاعر البليغ إلى علي بن موسى الرضا وكان علي خليفة المأمون فدخل عليه دعبل وأنشده هذه القصيدة الرائعة البليغة الجميلة والتي يقول في أولها:

     مدارس آيات خلت من تلاوة       ومنزل وحي مقفر العرصات

     لآل رسول الله بالخيف من منى     وبالركن والتعريف والجمرات

     ديار عفاها كل جون مباكر      ولم تعفر الأيام والسنوات

     قفا نسأل الدار التي خف أهلها     متى عهدها بالصوم والصلوات؟

والتي يقول فيها

    إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر      ويوم حنين أسبلوا العبرات

    إذا وتروا مدوا إلى واتريهم      أكفا عن الأتار منقبضات

  إلى آخر قصيدته الرائعة التي ألقاها أمام علي الرضا فأغشي على علي من جمالها وروعتها وحسنها!!! فلما أفاق أهداه بردته، وقيل أهداه معها مالا كثيرا.

لكن شاهدنا أن اللغة الجميلة والإبداع فيها كان له سحر ووقع في النفوس.

 

حلف لا يأكل بها طعاما إلى الليل!!

يقول الشاعر والمحدث عروة بن أذينة شيخ الإمام مالك:

إن التي زعمـت فـؤادك ملها            خلقت هواك كما خلقت هوىلها
فبك الذي زعمـت بها وكلاكما          يبدي لصاحبه الصبـابـةكلها
ويبيت بين جوانحي حـبٌّ لهـا            لو كان تحـت فراشهـالأقلها
ولعمرها لو كان حبـك فوقها             يوماً وقد ضحيـت إذنلأظلهـا
وإذا وجدت لها وساوس سلـوة           شفع الفؤاد إلى الضميرفسلها

بيضاء باكرها النعيـم فصاغها               بلبـاقـة فـأدقهـاوأجلهـا
منعـت تحيتها فقلـت لصاحبي            ما كان أكثـرها لنـاوأقلها!
فدنا فقـال ، لعلهـا معـذورة                من أجل رقبتها، فقلت: لعلها

هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لايأكل بها طعاما إلى الليل!!

فانظر إلى هذه الأبيات وجمالها ورقتها وروعتها، وقارنها بما يتلوه الشعرء اليوم من قصائد هشة رثة لاتفرق بينها وبين النثر من سوئها وهزالها.

 

إن من البيان لسحرا

بلغ من سحر العربية وجمالها أن الأمراء كانوا يكرمون الشعراء أيما إكرام ويجعلون لهم مكانة عالية رفيعة، ويجزلون لهم العطايا، بل ويطربون لسماع الشعر والأدب والكلام الفصيح، فكم أغنت الفصاحة من عالم وشاعر، وكم فتحت الكلمة البليغة من قلب مغلق.

يذكر أن الشاعر العربي جرير وفد على عبدالملك بن مروان وكان هذا اللقاء أول لقاء بين الخليفة وجرير، فبدأ جرير قصيدته بقوله:

        أتصحو أم فؤادك غير صاح

فقال عبدالملك: بل فؤادك أنت.

لكن جرير أكمل قصيدته لأنه يعلم ماسيأتي بعدها من جمال وبلاغة وتشبيه

       أتصحو أم فؤادك غير صاح       عشية هم صحبك بالرواح

إلى أن وصل إلى هذا البيت الرائع

      ألستم خير من ركب المطايا       وأندى العالمين بطون راح

فأعجب عبدالملك جدا بهذا البيت وأمر له بمكافأة مجزية.

 

فساد الذوق اللغوي

كان الناس منذ الجاهلية إلى وقت قريب وهم يتلذذون بسماع الكلمات الجميلة المعبرة وكانوا حتى في أغانيهم لايرتضون إلا الكلام الجميل البليغ الفصيح.

وهذه ( سلامة ) المغنية الشهيرة في التاريخ وكانت أيام الأمويين تغني بأجمل الأبيات وأرقها معنى وذوقا

ومن الأشعار التي كانت تتغنى بها:

      إن التي طرقتك بين ركائب    تمشي بمزهرها وأنت حرام

       لتصيد قلبك أو جزاء مودة       أن الرفيق له عليك ذمام

       باتت تعللنا وتحسب أننا        في ذاك أيقاظ ونحن نيام

لكننا للأسف تكوّن لدينا جيل لايأبه باللغة ولايتذوق جمالها ولايفرّق بين المعنى الجميل والتشبيه الرائع وبين الكلمة السخيفة الفارغة التي لامعنى لها لافي العربية ولا حتى في العامية المحكية.

وكان القرآن الكريم يتلى حتى على المشركين فيهتزون لقوته وبلاغته ويسدون أسماعهم حتى لايتأثروا فيه!! حتى قال فيه الوليد بن المغيرة وهو مشرك ( والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، ومايقول هذا بشر )

لكننا اليوم نقرأ القرآن فلانهتز لسماعه ولايصلنا جمال كلماته وبلاغته وقوة بيانه، لأننا فقدنا الذوق اللغوي يوم أن ابتعدنا عن لغتنا الجميلة لغة القرآن العظيم.

 

مقارنة سريعة

حتى نثبت ماوصل إليه الذوق اللغوي العام من الفساد وعدم الالتفات ولا الاستمتاع بجمال اللغة والكلمة والتعبير فلنقارن بين ماذكرناه قبل أسطر من الشعر الذي كانت تغنيه سلامة في جماله وروعته وكيف كان يطرب لها الخلفاء، بل إننا لانريد أن نبعد المسافة، سنذكر قطعا من أغاني كانت تغنى قبل عشرات السنين فقط ثم نقارنها بأغاني اليوم.

أليس مما كان يغنى حتى طرق مسامع الجميع

         سمعت صوتا هاتفا بالسحر      نادى من الغيب غفاة البشر

والتي فيها

         فما أطال النوم عمرا         ولا قصّر في الأعمار طول السهر

كما أن من الأغاني التي كانت تغنى

         أكاد أشك في نفسي لأني        أكاد أشك فيك وأنت مني

وغير ذلك من الكلمات الراقية والمعاني الجميلة.

لكن قارن ما كان يغنى وذوق الناس في ذلك الوقت بالاستماع إلى الغناء الراقي والذي يدل على رقي اللغة والكلمة لديهم وبين مايغنى اليوم من كلمات سخيفة خفيفة تقتل كل معاني الإحساس عند الناس

أيعقل أن يكون مما يغنى ( أركب الحنتور واتحنتر ) وهذه كلمات تطرق أسماعنا في كل مكان عام نذهب إليه وتكاد تقتلنا من سوئها وغلظها ورداءتها لكننا لانملك أن نمنع الناس وهم في مجمعاتهم وأسواقهم وسياراتهم من تشغيلها، ممايدل على أن الذوق والجمال والإحساس لم يمت عند المغنين فقط بل عند عامة الناس.

وبالله عليك قلي مامعنى ( كامننا كامننا ) والتي كانت مطلع أغنية اشتهرت وأزعجونا بها في كل مكان؟؟

أم هل تسمي مايتلى في أغلب الأمسيات اليوم شعرا إذا ماقارانته بشعراء العرب المبدعين ولا أريد أن أقارنه بالمتنبي ولا المعري بل بالمبدعين المتأخرين كعمر أبي ريشة وأبي القاسم الشابي وغيرهم الكثير، فأين غالب شعر اليوم من شعر أولئك المتقدمين والمتأخرين؟!!

 

مظاهر فساد الذوق اللغوي

1- عدم تذوق جمال القرآن وروعته وبلاغته وحتى عدم فهم معانيه البسيطة.

2- الانصراف عن الشعر الجميل والأدب الراقي والنثر البليغ إلى الكتابات السطحية والشعر السخيف، وإني هنا أنصح القراء جميعا بقراء كتاب واحد من الأدب النظيف والجميل والبليغ وليكن مثلا كتاب ( وحي القلم ) للأديب العظيم مصطفى صادق الرافعي والذي يعتبر من أعظم إبداعاته وهو كتاب يستحق القراءة بكل المقاييس، وستعيش معه جمال الكلمة والتعبير واللغة، أو ليكن أحد كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى ذلك الأديب المبدع والرائع والذي كان يتبع أسلوب السهل الممتنع.

3- الانحطاط حتى في لغة التخاطب اليومية والتي تحولت لدى البعض إلى ألفاظ كلها سب وتجريح وسوء أدب.

4- كان العلماء يقولون ( من تعلم العربية رق طبعه ) ولعل أحد مظاهر غياب التذوق الجمالاي للعربية مانشاهده ونلمسه من غلظ الطباع عند البعض وقسوتها وعدم تأثرها بالمعاني الرقيقة والإنسانية.

 

من المسؤول؟

لايمكننا أن نضع اللوم على أحد بعينه، فالجميع شارك في هذه المهزلة التي وصلنا إليها، المناهج الحكومية، العلماء ( سواء علماء اللغة أو علماء الشريعة )، الشعراء، الناس أنفسهم لم ينكروا هذا التغير واستحسنوه بل ودعموه.

وفي ختام هذه الزاوية نسأل الله سبحانه أن يحيينا لنرى ونسمع غير مانراه اليوم ونسمعه، ويعود للكلمة رونقها، وللعربية جمالها، وللبلاغة مكانتها، ويعود الذوق العام جميلا كما كان، والله الموفق لأقوم سبيل.

 

د. طارق محمد السويدان