المرأة... وتخلف نظرة المجتمع لها

 

 

مقدمة

 

مازال حديثنا متواصلا عن الأزمات ومظاهر التخلف في مجتمعنا وأمتنا, ومازلنا نرحب بكم عبر هذه الزاوية ( أريد أن أحلم ) والتي ندرس ونحلل من خلالها مظاهر التخلف والأزمات المحيطة بأمتنا لنحلم بعد ذلك ( حلما يقوده العمل ويعززه العلم ) ولست أدّعي أننا سنصلح الأمة من خلال زاوية في صحيفة أو كتاب أو محاضرة لكن يقيننا ببعد الطريق ينبغي أن لا يثني همتنا ويقوض جهودنا,,, وبداية الطريق أن نتلمس الخطأ ونعرف مكامن الضعف والأسباب التي خلقت هذا الكم الهائل والواسع من أزماتنا وتخلفنا.

 

أزمة قديمة

 

لا يمكننا أن ندعي أن أزمة المرأة أو تخلف نظرة المجتمع لها هي أزمة جديدة أو أنها مختصة بأمتنا العربية أو الإسلامية فهي منذ الجاهلية وهي تعامل بدونية وتهضم حقوقها ثم جاء الإسلام ليقر لها حقوقها ويجعلها بجانب الرجل في الواجبات والحقوق إلا في نزر يسير من الأحكام التي راعى فيها الإسلام الاختلاف في طبيعة كل منهما.

 

ثم تراجعت نظرة المجتمع لها في عصور الانحطاط والضعف حينما بعد المسلمون عن كتاب الله وشرعه وقد كانت في أوروبا أذل منها عند العرب حتى وقت قريب أي أن تخلف نظرة المجتمع لها ليس مختصا بالعرب بل كانت نظرة عامة إلا أن الغرب قطعوا شوطا طويلا في إثبات حقوقها وإن كنا لا نأخذ قيمنا منهم بل نوافقهم فيما يوافق ديننا ونخالفهم فيما يخالف ديننا حتى وإن وضعوه تحت مسمى حقوق الإنسان أو الحرية.

كما أنهم لا زالوا يفرقون بينها وبين الرجل ففي تقييم لمقال وزع على عدد كبير من الناس في أمريكا منذ سنوات قريبة أعطى 98% من الناس درجة عالية للمقال عندما كتب باسم مؤلف رجل بينما نفس المقال حصل على درجة عالية عند 2% فقط عندما وضع عليه اسم امرأة .

 

سبب هذه النظرة

 

لعل أكثر الباحثين أو المفكرين حينما يناقشون النظرة الدونية للمرأة عند كثير من الشعوب والدول أو في العالم أجمع يغفلون حلقة هامة وهي سبب هذه النظرة المتخلفة للمرأة،، فهل يعقل أن أزمة قديمة ومنتشرة كهذه لا يعرف سببها؟!!

 

إذا رجعنا إلى التاريخ حيث لم يكن هناك دين أو شريعة نجد أن النظرة المتخلفة هذه كانت موجودة ربما مع اختلاف في التعبير والطريقة أو الذرائع التي يتذرع بها الرجل لكنها حتما كانت موجودة،، إذا فليس الدين هو السبب كما يدّعي بعض الحاقدين والجاهلين.

ولعل حب التسلط والتملك والترؤس الذي بداخل الإنسان عموما هو الذي جعل الرجل يجد ضالته في المرأة ليمارس عليها هذا الدور.

كما أن طبيعة المرأة المختلفة عن الرجل مثل الحمل والولادة والإرضاع وظروفها الشهرية الخاصة جعلت الرجل ينظر إلى المرأة نظرة مختلفة لا في التكوين فحسب بل بدرجة المكانة أيضا.

 

المرأة في الإسلام

لا يخفى على أي عاقل ومنصف ما فعله الإسلام ليعيد للمرأة مكانتها ويصون لها حقوقها ويكفي أنه يقرنها بالرجل في أوامره ونواهيه كما قال تعالى ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) بل إنه صان لها حتى حقوقها المادية وجعلها حرة التصرف بأموالها كالرجل لا تختلف عنه في ذلك فقال تعالى ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) فاشترط رضا المرأة وطيب نفسها في العطاء لأن المال مالها ولها فيه حرية التصرف.

ولا أريد أن أطيل في هذه النقطة بالذات لأنه لا ينكرها إلا أعمى أو مبطل

         وليس يصح في الأذهان شيء      إذا احتاج النهار إلى دليل

 

شاهد قوي

جاء في الصحيح أن جارية قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته (أي زوجني ليرفع بي المكانة الاجتماعية الضعيفة لابن أخيه) ، وأنا له كارهة. فقال لها: إن شئت أمضيت أمر أبيك وإن شئت فسختيه. فقالت: أمضي أمر أبي ولكن فعلت ذلك ليعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء }

فهذه أعلى درجات الحرية والاختيار منحها الإسلام للمرأة وأثبتها لها.

 

مظاهر تخلف نظرة المجتمع للمرأة

 

لاشك أن انفتاح الشعوب على بعضها بالإضافة إلى النهضة النسبية والثقافة المتزايدة لدى الأمة جعلت وضع المرأة يتحسن قليلا لكنني أجزم بأن هناك أسرا ومناطق متفرقة في دول عربية وخليجية مازالت المرأة تعاني فيها من ظلم بيّن وهضم صارخ للحقوق ومن هذه المظاهر:

1-               منعت النساء في كثير من الدول من حقها في العمل والمشاركة في البناء الحضاري ويختلف وضعها من بلد لآخر لكنها مازالت تعاني من حرمان في كثير من المجالات، كما أنها تعاني من التمييز بينها وبين الرجل سواء عند التقدم للوظيفة أو عند الترقيات أو عند اختيار المسؤولين والمشرفين وحتى في الأجور فمازالت أجور النساء أقل من أجور الرجال حتى ولو كنّ يؤدين نفس العمل!!

2-               لم تمنح المرأة حقوقها السياسية ( انتخابا وترشيحا ) في كثير من الدول العربية والإسلامية إلا منذ سنوات، بل إنها مازالت محرومة منها في بعض الدول العربية والإسلامية حتى الآن، وحتى في الدول التي أعطيت فيها حقوقها السياسية مازالت قوى كثيرة تحرّم مشاركتها وتحجب عنها أصواتها لالعدم الكفاءة والخبرة بل بسبب الأنوثة فقط.

هذا بالنسبة للمشاركة النيابية والوزارية أما الرئاسة فمازال الشوط طويلا والأمر حلما لايقر به أحد ومع أن هذا هو رأي غالبية الفقهاء قديما وحديثا إلا أنني أتبنى رأي من يجيز توليها رئاسة الدولة أو مجلس الوزراء وإن كان هذا هو رأي قليل من الفقهاء لكنني أرى أن هذا الرأي هو الأقرب للصواب وليس في مجمل الشريعة مايخالفه.

ومن أراد الاستزادة والرجوع للأدلة الشرعية في جواز توليها الرئاسة فليرجع إلى كتاب ( تحرير المرأة في عصر الرسالة ) للأستاذ الدكتور عبدالحليم أبو شقة والذي اعتمد فيه هذا الرأي ولم يورد من الأدلة إلا آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة من الصحيحين فقط.  3-  نظرة الكثير من الناس أن المرأة إنما خلقت للمتعة فقط، فيغيب عقلها ويهمل كلامها وفهمها ولا يرجع إليها إلا حينما تثور شهوة الرجل

4-    قضية التعليم قضية هامة جدا فما زال الكثير من الناس ينظرون إلى أن المرأة ليست بحاجة للتعليم فمآلها لبيت زوجها ومطبخها فلماذا تضيع وقتها فيما لا فائدة منه؟!!

ولا شك أن بيت الزوجية والأولاد هما أهم ما ينتظر المرأ ولكن كيف لها أن تربي أولادها وهي جاهلة؟؟ وكيف لها أن تتابع لهم دراستهم وواجباتهم وهي لا تحسن القراءة أو تحسنها ولا تحسن غيرها؟

5-    هضم حقوق المرأة المالية، وتبدأ حينما يأخذ الأب راتب ابنته أو ما تملكه ثم يجيء الزوج أو الوالد ليستولي على مهرها ثم يتولى الرجل وصايته المالية على المرأة، ومع أن الإسلام جعل الرجال قوامين على النساء إلا أنه لم يجعل لهم سبيلا إلى أموال النساء أبدا.

6-    جرائم الشرف، هكذا تسمى في بعض الدول العربية والتي تعيد عهد الموؤودة، فبمجرد الشك في تصرفات البنت أو بمجرد خطأ صغير أو كبير منها يعطي الأهل لأنفسهم صلاحية القتل والذبح دون أي تأكد أو تثبت. وكم من امرأة قتلت خطأ أو تسرعا ثم تبينت براءتها وحتى لو ثبت ذلك عليها فهناك حد شرعي عليها لا يجيز لأهلها أو أولياء أمورها قتلها .

7-  يخجل الكثيرون من ذكر أسماء نسائهم ( الأم والزوجة والأخت والبنت والقريبة ) وكأن اسمها عورة أو عار، بل إن البعض لا يقول زوجتي بل يقول عيالي ويريد بذلك زوجته!! مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاهر باسم زوجته عائشة بل بزوجاته كلهن رضي الله عنهن وأرضاهن.

 

الحقوق التي ندعو إليها

كما قلت سابقا فإننا حينما نطالب بتغيير نظرة المجتمع للمرأة لا نطالب بمثل ما يطالب به الغرب من الحرية الخالية من القيود ونزع الحجاب وإهمال البيت والأولاد والزوج.

أبدا فليس هذا مرادنا بل إننا ملتزمون بالشريعة إجمالا وتفصيلا فهي الفاصل في كل أمر وهي الحكم في كل مسألة لكننا نطالب بأن لا يخلط الشرع بالعادات والأعراف والتقاليد فيجعل ما ليس بشرع شرعا.

كما أننا ندعو النساء بأن يجعلن همهن بيوتهن وتربية أسرة صالحة والتي هي نواة لمجتمع صالح وأن يكن فاعلات وإيجابيات ومؤثرات في صناعة الحضارة وبناء مجد وعز الأوطان بما لا يؤثر على حياتهن الأسرية ، وهذا الأمر موجه للرجال كذلك.

 

ولعنا عندما نصل إلى الحديث عن حلمنا المنشود سوف نذكر لكم نماذج مشرقة قديمة وحديثة لنساء مسلمات فاعلات لم يحتجن لحرية الغرب المتحللة والتي تجعل من المرأة متاعا يباع ويشترى ومتعة تعرض بثمن بخس ، ويضربن أعظم الأمثال في كيف وصلت المرأة إلى أعلى مناصب التأثير السياسي والاقتصادي والاجتماعي العظيمة والحرص على إطاعة أوامر الله تعالى ونواهيه، فإلى أن نلتقي للحديث عن ( أريد أن أحلم ) أستودعكم الله تعالى وأسأله التوفيق لنا ولكم .

 

د. طارق محمد السويدان