العرب والتكنولوجيا

مقدمة

لعل تخلفنا في مجال التكنولوجيا والتقنية هو الأوضح والأكثر تميزا من بين كل مظاهر تخلفنا عامة، ذلك أن التكنولوجيا لغة محسوسة يظهر فيها الفرق جليا ولايمكن إخفاؤه أو إنكاره.

كما أن هناك رابطا وثيقا بين ماتحدثنا عنه في المقال الماضي من تخلفنا الثقافي وبين تخلفنا التكنولوجي لأن ضعف الثقافة وتخلف التعليم لايمكن أبدا أن يساعد في التطور التقني.

أهمية التكنولوجيا والتقنية

يقول الخبراء بأن الحروب الآن أصبحت حروبا الكترونية أكثر منها بشرية، فهي تدار بنظام التحكم عن بعد، ومن يمتلك الآلة الأكثر تطورا هو غالبا من يستطيع التحكم في المعركة.

كما أن المقولة الشهيرة ( من يملك المعلومة يملك القوة ) تؤكد أن التقنية الإعلامية المتطورة أصبحت عنصرا رئيسيا في صناعة القوة وإثبات الوجود.

كما تشير الدراسات إلى أن المجال الأول عالميا الذي تنشط فيه حرب الجواسيس هو مجال الصناعة والتكنولوجيا وذلك لما لها من أهمية وسرعة، يليه بعد ذلك جواسيس الحروب وأسرار الدول، أما المجال الثالث فهو تجسس الزوجات على أزواجهن والعكس!!

الأكثر تخلفا

يعتبر عالمنا العربي هو الأكثر تخلفا في مجال الاستفادة من التكنولوجيا العالمية، ويظهر هذا في نسبة مستخدمي الانترنت فهي في العالم لعربي أقل من 1% من بين مستخدميه في العالم بينما هم يشكلون 5% من سكان العالم!

ولئن كانت بعض الدول العربية الغنية استطاعت أن تنقل أو تستورد جزءا من التكنولوجيا المتطورة لكنها حتى الآن لم تتمكن من توطينها وتصنيعها والإبداع فيها، فهي مجرد مستخدم لا أكثر مع أن هذه التكنولوجيا تتطور يوميا.

ويكفي أن نعلم أن مساهمة العرب لا يتجاوز 3% من إجمالي صادرات العالم، علما أن أغلبها صادرات نفطية بالإضافة للثروات الطبيعية والزراعية فإذا بنا لا نقدم شيئا للعالم ولا نساعد بتقدمه إلا بأقل بكثير من 3%

نتائج التخلف التكنولوجي

إن استيراد السلع الجاهزة من شتى المجالات ومن جملتها التكنولوجيا ذات التكلفة العالية تسبب خسارات مرتفعة ونزيفا مستمرا لأموالنا العربية كما أنها سبب رئيسي في إهدار الوقت والجهد والذي يمكن توفير الكثير منهما باستخدام التقنيات الحديثة.

هذا بالإضافة لما يسمى بهجرة العقول والتي كلفت العالم العربي كما تشير بعض الدراسات إلى حوالي 200 مليار دولار!! وهذه العقول العربية تضطر للهجرة من أوطانها الأصلية لما تجده من إنكار وعدم اهتمام وقلة الموارد والأدوات المتاحة بالإضافة إلى وضعها في أماكن عمل غير التي يمكنها أن تبدع فيها ، وكلنا يسمع ويعلم كيف تعامل هذه العقول المنتجة في الغرب ، وكيف تكرم وتفتح لها الأبواب من الحكومات والشركات الخاصة حيث أن بين الشركات المنتجة للتكنولوجيا صراع حاد لاستقطاب العقول والكفاءات من شتى بقاع العالم بينما العرب لايحسنون استغلال هذه الكفاءات الموجودة لديهم أصلا.

ويكفي أن نشير في معرض حديثنا عن أضرار التخلف أن 45% من عمال العالم الغربي ارتفع دخلهم بسبب التقدم التكنولوجي، فأين حظ العامل العربي من هذا التطور؟!

أسباب التخلف التكنولوجي

عند الحديث عن أي مشكلة أو ظاهرة لابد من دراسة أسبابها وما الذي دعّم وجودها وانتشارها حتى نتمكن بعد الاتفاق على الأسباب من معالجتها واقتراح الحلول المناسبة.

ولدى دراستنا لظاهرة تخلفنا التكنولوجي نجد أسبابا عدة ساهمت في تفاقم وتثبيت هذه الظاهرة ولعل أبرزها:

1-   الفقر: وهذه مأساة بحد ذاتها وتجر الكثير من المآسي خلفها، فما يزال الكثير من أبناء شعبنا يبحث عن ضروريات الحياة البسيطة والبدائية ويفني عمره في الحصول عليها فكيف لهذا وأمثاله أن يلتفتوا إلى عالم بعيد عنهم أو يفكروا باستخدام التكنولوجيا الحديثة وهم لايجدون مسكنا مناسبا حتى بالأجرة؟!

2- النظام التعليمي: ما زالت وسائل التعليم بدائية جدا وهو مايشعر الطالب منذ صغره أن هذه هي الطريقة الأمثل للحياة وفهمها ، كما أن المواد والمعلومات التي تلقن له كثير منها انقرض أو في طريقه للانقراض.

والأهم من هذا أنه ليست هناك كليات كافية ومتوفرة متخصصة في مجال التكنولوجيا والتقنية المتطورة.

3-   الضعف الشديد في البنية التحتية: حتى الآن لم تكتمل البنى التحتية في عالمنا العربي بشكل كاف وواف ومتطور، ومازالت الخدمات تحتاج إلى جهد وعمل ، وما زال هناك من أبناء شعوبنا من لايملك هاتفا أرضيا!! فكيف لهم أن يستخدموا الانترنت؟

كما أن الخدمات المتطورة تأتي متأخرة جدا وذلك لضعف شبكات الاتصال وعدم جهوزيتها لتقديم مثل تلك الخدمات.

أضف إلى ذلك الآلات والتقنيات الأخرى الإعلامية وغيرها والتي نسمع بها ولا نراها.

4-   الفساد الإداري: الجميع يعلم باستشراء الفساد في جميع الدول العربية وهذا الفساد سواء كان إداريا أو ماليا فإنه ينتج عنه عدم استغلال الثروات في أماكنها الطبيعية والحقيقية ومن هذه الأماكن التكنولوجيا والتقنية.

5-   الأنظمة السياسية : والتي هي في كثير منها دكتاتورية أو شبه دكتاتورية، فهي تريد أن تسيطر على كل شيء حتى على طرق التواصل وطرق البحث والوصول للمعلومة وتريد أن تطلع على كل شيء ولا تسمح بتكنولوجيا تجعل الناس يتصرفون ويعملون بعيدا عن أعينها وعن عقليتها البوليسية.

6-   عدم وجود قرار سياسي صادق وقوي وجريء في الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى توطينها في عالمنا العربي.

7-   عدم دعم الدراسات وبراءات الاختراع بشكل كاف وعدم دعم الموهوبين والمبدعين والأذكياء.

      ويكفي أن نعلم أن الدول العربية مجتمعة لاتنفق 10% مما تنفقه إسرائيل في الأبحاث العلمية.

8-   هجرة الأموال الإسلامية والعربية حيث تقدر الأموال العربية في الخارج بـ 800 مليار دولار يستفيد منها الغرب في تطوير أنفسهم وعالمهم ودولهم ومنافستنا بأموالنا بينما تحرم منها أمتنا العربية والإسلامية.

9-   العامل النفسي: حيث أننا مصابون بخيبة أمل وانهزام داخلي لما نراه من فرق شاسع بيننا وبين الغرب ، وقليل من المفكرين والمصلحين والدعاة يبعث في الناس العزة والأمل ومعظمهم للأسف يكرس الانهزامية وفقدان الأمل .

10- ارتفاع تكلفة استخدام التكنولوجيا المتطورة حيث أنها في عالمنا العربي تباع للنخبة فقط وحيث أنها للنخبة فلا بد أن تكون مرتفعة التكاليف!!

محاولات جادة

بقي أن نشير إلى أن هناك محاولات عربية شريفة للخروج من قائمة الخلف واللحاق بالركب من الأمم الأخرى لكنها تبقى محاولات غير كافية وإن كانت جيدة فنحن بحاجة للمزيد وبخطى سريعة فإننا حين نتقدم خطوة أو خطوتين يكون الغرب قد تقدم عشرين خطوة فتتسع المساحة ويصعب اللحاق.

ومن هذه المحاولات الطيبة والجادة ( المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ) والتي تتخذ من الشارقة مقرا لها والتي تأسست عام 2000 ونأمل منها أن تكون بداية لأعمال أخرى متسارعة ومتلاحقة ، والمحاولات الفريدة التي تقوم بها مؤسسة قطر في دفع مستوى التعليم إلى الأمام بقفزات كبيرة ، وهناك محاولات جادة أخرى نتمنى لها الريادة والنجاح .

كما أن هناك مدن تقام في مجالات متقاربة نرجو من الله أن تؤتي ثمارها.

وأتمنى كذلك أن نلغي من عقولنا أن التطور التقني والعلمي يستلزم التخلي عن الدين أو الأخلاق أو الحجاب أو العادات الحميدة ، ولنا في التجربة الماليزية أسوة في مسألة التقدم المطلوب مع الحفاظ على الهوية ، ولنا أمنيات أخرى وتحليلات لواقعنا نلتقي بها في حلقاتنا القادمة إن شاء الله تعالى.

 

 

د. طارق محمد السويدان