التأزم النفسي

 

مقدمة

كنت ولا أزال مؤمنا بأن جميع ما يكبل أمتنا اليوم من أزمات ومعوقات إنما هي من صنع أيدينا، ومما جنيناه نحن على أنفسنا، ومع أني لاأنكر تربص أعدائنا بنا، ومحاولاتهم المتكررة في تحطيمنا وسلبنا كل أسباب القوة والاختيار، إلا أن أحدا لايستطيع أن ينكر أننا من بدأ يخرب بيته بيده، ويهدم مجده بنفسه، فالنزاعات الداخلية، والتقاتل والتكالب على السلطة والمال، وظلم القوي للضعيف، وتكميم الأفواه وخنق الكلمة، وإفشال أي مبادرة أو فكرة للنهوض من جديد، كل هذا نحن من صنعه وليس أعداؤنا، لكننا نحب دوما أن نلقي اللوم على الآخرين، لنأخذ دور المسكين الذي لاحول له ولا قوة، فلو أننا سلمنا بنظرية المؤامرة، وآمنا أن هناك أيد خفية تلعب بنا، لكن هل ننكر أننا من ينفذ المؤامرة بإرادته وكامل عقله وقواه؟!!

إننا حين نعقد العزم ونخلص النية فلن تكون هناك مؤامرة ولن تلعب بنا أطول يد في الدنيا، لأننا نحن الذين نملك زمام أنفسنا فإما أن ننهض بها وإما أن نلقي بها أسفل سافلين

             إذا الشعب يوما أراد الحياة       فلا بد أن يستجيب القدر

بعد هذه المقدمة لابد أن نعود لما كنا بدأنا في بداية هذه السلسة من المقالات عن الأزمات التي تعشش في أمتنا وتستفحل، وسيكون حديثنا اليوم عن أزمة جديدة تتعلق بالاضطراب والتوتر الذي نعيشه اليوم طيلة اليوم، فمرحبا بكم في هذه الزاوية والتي ترجو أن تكون منبرا للجميع نطرح ونستقبل فيها جميع مايهم أمتنا ويساعد في تشخيص مشاكلنا وطرح الحلول لها.

 

هل تشعر بالتوتر؟

لو أننا لاحظنا أنفسنا حينما نتصرف أو نتلقى تصرفا من طرف مقابل، ولو أننا دققنا في أنفسنا حينما نتكلم أو نتعامل أو نواجه لوجدنا أن شيئا غريبا يسيطر علينا في جميع حالاتنا أو أغلبها، فالنفس مشحونة، والتفكير مضطرب ويقظ، والأعصاب متوترة بدل أن تكون مسترخية، أنا هنا أتحدث عن الغالب وفي معظم أوقاتهم.

هذه الحالة من التوتر والاضطراب النفسي التي نعيشها تنعكس على مجمل حياتنا شعرنا أم لم نشعر، فالزوج مع زوجته تجده مشحونا إلى درجة أن أي كلمة قد تشعل النار بينهما، والزوجة كذلك، فهم مشحونون ومتوترون ومضطربون في علاقتهما إلى درجة أن كل واحد منهما ينتظر الزلة من الآخر، فترى حياتهما انقلبت إلى جحيم وحلبة صراع، هذا بدل أن يكون البيت للسكينة والراحة وإلقاء هموم الدنيا.

وكذلك الصديق مع صديقه والأخ مع أخيه والموظف مع المراجع وبالعكس، أصبح الجميع متوترا تجاه كل من حوله، فلا الخطأ مغتفر، ولامكان للعفو أو الصفح أو إحسان الظن، ولاتفسر الأمور إلا على أسوأ محمل، ذلك لأن النفوس مضطربة ومتوترة ولاتستطيع أن تحسن الظن أو تصفح أو أن تتفهم.

أليس هذا هو واقعنا الذي نعيشه؟!!

أليست هذه هي النفوس التي نتعامل بها مع بعضنا البعض بل حتى مع أنفسنا؟!!

أليس المبدأ الذي نتعايش به اليوم هو مبدأ الغالب والمغلوب وليس مبدأ أننا إخوة يكمل بعضنا بعضا؟!!

إننا نعيش اليوم أشبه مايكون بحلبة صراع فإما أن نربح وإما أن يربح الآخرون، وهذا مايجعلنا نعيش في توتر دائم واضطراب داخلي، ونفوس مشحونة بمعاني الندية وسوء الظن والاحتراس من الآخرين ومن تصرفاتهم أقوالهم.

 

الشافعي ونفسه الطيبة

دخل رجل على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يعوده في مرضه، فقال الرجل للشافعي: قوّى الله ضعفك ( يقصد أبدلك الله بضعفك قوة لكنه أخطأ التعبير ) فقال الشافعي: لو قوّى ضعفي لقتلني،،، فقال الرجل معتذرا: والله ما أردت إلا خيرا، فأجابه الشفعي رحمه الله: أعلم أنك لو سببتني لم ترد إلا خيرا..

فتأمل هذه النفس الطيبة التي لاتحمل الأمور إلا على المحمل الحسن وإنما أراد أن يصحح له العبارة فقط.

 

أثر التوتر على الشعر والغناء

لعل أثر التوتر في حياتنا لم يقتصر فقط على تصرفاتنا وردود أفعالنا بل امتد حتى إلى شعر الشعراء وكلمات الأغاني، والشعر كما كانوا يسمونه هو ديوان العرب، أي أنه يحكي ثقافتهم ونمط حياتهم ومجدهم وكل تاريخهم، وقد كان الشعر من قبل يشتمل على المعاني الرقيقة الجميلة العذبة، وتسمع شعرا في الحب البريء تكاد تطرب له من حسنه ورقته، واقرأ قول عروة بن أذينة الفقيه الشاعر

       منعت تحيتها فقلت لصاحبي      ما كان أكثرها لنا وأقلها

        فدنا وقال لعلها معذورة        من أجل رقبتها فقلت لعلها

وقول الشاعر

                 وما لجرح إذا أرضاكم ألم

وقول الآخر

      أريد وصاله ويريد هجري    فأترك ما أريد لما يريد

ثم بعد ذلك اقرأ أشعار اليوم أو أغاني اليوم والتي كلها تحدي للمحبوب، وتبجح وتباهي، وكلام لايمت لا إلى الحب ولا إلى الرقة بشيء، هذا لأن النفوس اليوم غلب عليها التوتر والاضطراب فبان ذلك حتى في أشعار الناس وأغانيهم.

 

التوتر وأمراض العصر

أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن التوتر والتأزم النفسي سبب رئيسي في شيوع أمراض القلب والمعدة والقولون والسرطان بين الناس، وهذه الأمراض الآخذة بالازدياد أحد أسبابها شيوع هذا التوتر داخل النفوس، ونحن نقول لك إذا كنت تهتم بصحتك فعليك بالطمأنينة وهدوء النفس وتسكين روعتها ( فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين )

 

أسباب هذا التوتر النفسي:

لا شك أن الحياة المادية التي نعيشها اليوم والتي ألغت المشاعر وأشعلت التنافس على المادة والمصالح لها سبب رئيسي في شيوع ظاهرة التوتر والاضطراب النفسي وغياب الطمأنينة لكن هناك أمورا هامة يمكن أن تكون أسبابا رئيسية لهذه الظاهرة الخطيرة:

1-   غياب القاعدة الإلهية في حياتنا والتي أثبتها سبحانه في مواضع عدة لعل أبرزها وأشهرها قوله سبحانه في الحديث القدسي ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) فالجميع يعلم هذه القاعدة ولعل الجميع أيضا يحفظها، لكن من يتذكرها ويحسها في تفاصيل يومه؟

    ومن يطبقها كلما حزمه أمر أو أصابته مصيبة أو اشتدت رغبته لأمر؟

2-   انتشار الحسد بين الناس حتى أصبح الرجل يهتم بغيره أكثر مما يهتم بنفسه، فهذا بنى بنيانا أجمل أو أعلى، وهذا راتبه أعلى، وذلك سيارته أفخم، فالكل نظره ممتد لغيره، لكن ماذا عنك أنت أيها المسكين؟ يامن تفني عمرك بالنظر إلى نعم الله إلى غيرك فترهق نفسك ويركبك الغم والتوتر، وتنسى نعم الله سبحانه عليك وهي لاتحصى ولاتعد.

قال معاوية رضي الله تعالى عنه لابنه: يابني إياك والحسد فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوّك. أي أن مضاره تبدأ بك قبل عدوك.

3-   أن الكثير منا لم يجد نفسه بعد، فقد فقدها حينما لم يضع لنفسه هدفا بالحياة، وفقدها مرة أخرى حينما اشتغل في مجال غير مجال خبرته ورغبته وميوله، وفقدها ثالثة حينما أحس أنه يعيش على هامش الحياة من غير نفع ولامضرة، وفقدها وفقدها،،، بل إنه لايزال يفقدها كل يوم، ثم بعد ذلك لانريد منه أن يضطرب ولا يتأزم ولايقلق، وأنا هنا أنصح الجميع نصيحة أخ مجرب ومحب، ابحث عن ذاتك حتى تستعيد الثقة والراحة والهدوء، فليس أحد غيرها يستطيع أن يمنحك ذلك، وقد أثبتت الدراسات أن 7 من 10 ممن لهم أهداف بالحياة راضون عن حياتهم، بينما 7 من 10 ممن ليست لهم أهداف في الحياة غير راضين عن حياتهم.

4-   يقول الله عز وجل في سورة طه ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) والمعيشة الضنك هنا كما فسرها العلماء هي ضيق الصدر والقلق واضطراب النفس، فقد ينعم الكافر في الدنيا، وقد يكون صاحب جاه ومال وسلطة، لكن هيهات أن يشعر بالطمأنينة كما يشعر بها المسلم التقي، وكذلك العاصي المعرض عن ذكر الله لايزال في اضطراب وتأزم حتى يرجع إلى ربه سبحانه.

5-   غياب معاني التسامح والمحبة وحسن الظن في حياتنا، وهذه المعاني الراقية هي أساس في تعامل المسلم مع إخوانه، وغيابها يعني التأزم في العلاقة والتوتر في النفوس كما هو حاصل الآن.

جاء رجل إلى ابن السماك الواعظ وقال له: موعدنا غدا نتعاتب، فقال له ابن السماك: لا يا أخي، مو عدنا غدا نتغافر.

فانظر ما أجمل تلك النفوس وما ألطفها وما أحلى الطمأنينة والهدوء فيها.

وأختم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا خرج من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي ( سمعتي ) على عبادك المسلمين.

والله الموفق والهادي لأحسن سبيل.

 

د. طارق محمد السويدان