احترام النظام

 

 

مقدمة

أحيانا تبدو الأمور معقدة لدرجة أن الإنسان يعجز عن إيجاد حل لها، وأحيانا تبدو سهلة وسلسة ولاتحتاج حتى إلى مجرد تفكير وتنظيم،،، وفي كلتا الحالتين قد يكون الأمر مختلفا تماما، فما من مشكلة ليس لها حل أو أزمة ليس منها خروج بل قد يكون الحل بسيطا أو قريبا وتحسبه بعيدا، وقد يكون بيدك وتحسبه بيد غيرك، وربما كان الحل هو القطع أو الاستغناء أو الانفصال،، وهذا حل بحد ذاته وإن كان غير محبب للنفس.

وأحيانا تبدو الأور سهلة ولاتفوح منها رائحة الأزمات أو المشكلات لكن غياب التنظيم عنها وتركها تسير لوحدها من غير تخطيط يجعلها تنحدر وتغير مسارها نحو الأسوأ.

ولعل هذا ماحصل لأمتنا بعد أن بنت حضارتها العالمية وركن أهلها للدعة والرفاهية وأعجبو بما وصلوا إليه وظنوا أن الأمر قد استقر لهم، فإذا بالقافلة تغير مسارها ببطء ولم يشعر أهلها بذلك فلم يجدوا أنفسهم إلا وقد ضلوا الطريق وأخطؤوا السير، فأزماتنا ليست نتيجة قرار خاطئ أو طامة واحدة سريعة بل هي نتيجة سنين طويلة من الإهمال والغفلة والأخطاء المتتابعة.

وهذه الدراسة المتعمة والجديدة لأزمات لأمتنا هي محاولة لفهم الخطأ واستدراكه ومحاولة للتعريف به حتى نكون منه على حذر وبينة.

ويسعدني حقا تواصلكم الكريم معي في هذه الزاوية فاقتراحاتكم وملاحظاتكم وتعليقاتكم كلها تساعد في تطوير وإثراء هذه الدراسة.

فمرحبا بكم في مقال اليوم والذي جعلته للحديث عن أزمة دقيقة ومهمة في حياتنا العامة والخاصة وهي عدم احترام النظام والقوانين.

 

النظام بمعناه الشامل

النظام الذي أعنيه في كلامي ليس مقتصرا على النظام المروري أو الحكومي أو قوانين العمل فقط، وإن كان هذا كله مندرجا فيما أقول ولكن النظام بمعناه الشامل أكبر من هذا بكثير، فحياتنا كلها مبنية على النظام والتنظيم، وعلاقاتنا كذلك، بل أبعد من ذلك فالإسلام يحاول أن ينظم لك حتى مشاعرك، فيأمرك أن تحب لله وتبغض لله وتوالي في الله، وأن تعطف على الفقير والمحتاج والمريض، وأن تبغض الظالم وظلمه وتكره الباطل وتيتعد عنه.

وحتى حياتنا الفردية فيها من النظام الكثير، وحياتنا الزوجية كذلك، وعلاقاتنا، وعملنا، والحاكم مع المحكوم، وكل مافي الكون يدخل فيه النظام ويخضع لقانون وترتيب، ولايمكن أن نبني حضارة دون أن ندخل ثقافة احترام النظام في نفوس الجميع كبارا وصغارا رجلا ونساء.

 

 

النظام سنة إلهية

يقول الله عز وجل في سورة القصص ( قل أرأيتم إن جهل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون* قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون )

فقد جعل الله سبحانه للكون نظاما وللحياة قانونا، فجعل الليل للراحة والسكن والسكينة، وجعل النهار للعمل وكسب المعيشة والتزاور والتلاقي، فلا هذا النهار يطغو على الليل، ولا الليل يأخد وقت النهار، بل كل شيء منظم ومحدد ومؤقت، وهذا تنظيم إلهي بديع.

بل حتى فصول السنة منظمة وشهورها مرتبة ( التقويم الهجري ) فلا مطر ينزل بالصيف ولا شمس حارقة بالشتاء وكل شيء مخلوق بقدر ( إنا كل شيء خلقناه بقدر )

 

الصلاة وتنظيم الوقت

من أبدع أنواع التنظيم التي نظم الله بها حياتنا وجعلها تدريبا لنا لتنظيم الوقت والحرص على المواعيد والمواقيت هي الصلاة، فأنت تصلي باليوم خمس مرات في أوقات محددة لايصح أن تتأخر عنها وبصيغة وطريقة معينة لايجوز أن تخالفها ولاتزيد أو تنقص عنها فإذا اعتدت هذا في حياتك اعتدت على النظام.

كما أن في الصلاة ترتيب لليوم بشكل رائع وغير موجود عند غير المسلمين، فأنت يومك مقسم إلى خمس فترات هي الفترات التي تكون بين الصلوات، فبين الفجر والظهر وقت، وبين الظهر والعصر وقت، وهكذا يومك مقسم ومرتب لوحده، يمكنك أن تقسم أعمالك عليه، وهذا بحد ذاته تنظيم بارع.

 

مظاهر عدم احترام النظام في حياتنا

من المؤسف أننا اليوم أكثر الأمم إهمالا للنظام وقد اكتسبنا شهرة في هذا تتندر بها جميع الأمم الأخرى، وسنأتي على بعض مظاهر عدم احترامنا للنظام:

1- من أشهر مظاهر تخطينا للنظام أنك لاترى مكانا يرتاده الناس لتسيير المعاملات أو شراء الحاجيات إلا وهذا يسابق هذا، وذاك يتعدى على دور غيره، ويأتي آخر قيتقدم الجميع وكأن وقته هو المهم من بين الناس جميعا.

2- في كل عمل توضع قوانين لتنظيم سير العمل لكن ما من أحد يحترمها أو يطبقها، وأنا وإن كنت من أعداء البيرقراطية والروتين لكنني أيضا من أعداء المزاجية والهوى، فلا ينبغي أن تقاد الأمور وتسير حسب المزاج والأحوال، لكن ينبغي أن تنظم وتقنن ويكون لها قانون ونظام يسيرها.

3- في دولنا العربية والأسلامية الرئيس والحاكم هو فوق القانون، بل هو مصدر القانون، ويعطى صلاحية تجاوز أي نظام أو قانون أو دستور، بل تعدل الدساتير حسب الأمزجة، وإن لزم الأمر فمخرج الاستثناء موجود، ولايحتاج الأمر أكثر من مرسوم أو أمر ملكي أو رئاسي، وإنك تجد الرئيس في دول الغرب يعزل ويحاكم وتطبق عليه جميع القوانين إلا في أمتنا، حتى اليهود يطبقون هذا على رؤسائهم، مع أننا الأمة التي يقول الله فيها لنبينا الكريم الطاهر ( ياأيها النبي اتق الله ) ويحاسب فيها الرعية الراعي على كل صغيرة وكبيرة، لكننا تركنا هذا كله وانحدرنا لأزمتنا التي نعيشها اليوم من عدم احترام النظام.

4- ومن مظاهر عدم احترام النظام عدم التقيد الكثير من الناس بالأنظمة سواء المرورية أو الأخرى مثل عدم رمي الأوساخ في الشوارع وكثير من هذا القبيل، خصوصا عند غياب الرقيب، مع أن المسلم رقابته داخلية وذاتية، فهو يعبدالله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله سبحانه وتعالى يراه، هذه هي ثقافتنا التي علمنا إياها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

العمل المؤسسي والفردي

لعل من مظاهر عدم احترامنا للنظام أننا نحب العمل الفردي ولانتقن ولانؤمن بالعمل الجماعي، مع أن ديننا هو دين الجماعة ودين التجمع ودين العمر الجماعي وكل الآيات والأحاديث والمواقف النبوية تدل على ذلك، ومن أعظم مواقف العمل الجماعي في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم موقف بنائه المسجد النبوي وحفر الخندق وفي كليهما كان يضرب للمؤمنين أروع المثل، وكذلك حينما آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما دخل المهاجرون المدينة، لكن الحاصل اليوم أن الغرب أتقن فن العمل الجماعي وجمع قواه ونظّمها فتطور بها، بينما نحن تفرق جمعنا وأصبح كا فرد أو دولة أو مسؤول يعمل بمعزل عن الباقين وأصبحنا كما حدثنا الله عن أهل جهنم والعياذ بالله ( كلما جاءت أمة لعنت أختها )

هذه بعض همومنا التي نعيشها اليوم نتيجة عدم احترامنا للنظام وعدم تقنين الأمور، وقد يظن البعض أن مسألة النظام هي مسألة كمالية لكنها قطعا ليست كذلك بل هي مسلة حساسة جدا ومهمة جدا في تطور الأمة وقيام حضارتها.

 

د. طارق محمد السويدان