أزمة بناء الشخصية

 

     تحدثنا خلال أسابيع ماضية عن أزمات الأمة المتعددة، ونعالج اليوم واحدة من أزماتها وهي أزمة بناء الشخصية، ولعل بناء شخصية الإنسان المسلم هي أهم نواحي البناء في الحياة، كونها تبدأ من العنصر الأساسي لبناء المجتمع وهو الفرد، وهذا الفرد إذا صلح أمره فقد صلح أمر المجتمع، وإذا عرف كيف يبني شخصيته ويعرف هويته بشكل واضح، فقد صار مآل المجتمع إلى الطموح الذي نريده.

 

وإن بناء الشخصية يرتكز على محاور أساسية لابد من فهمها جيدا، كما أن معالجة خلل ما يبدأ من علاج الفرد الذي هو أساس المجتمع، وإن إصلاح سلوك الفرد يفضي بالضرورة إلى إصلاح مجتمع كامل، إن العلاج المنهجي والعملي لكل ما سبق يتوضع في تغيير وتفعيل نقاط خمس:

 

بناء الفكر    +        الاهتمامات   +     القدوات  +    المهارات   +   العلاقات

 

1- بناء الفكر:

إن تغيير قناعات وفكر شخص ما هي السبيل لتغييره بالكامل، فإذا تغيرت قناعاته وتغير فكره وبني فكره بشكل سليم تغير هو تبعاً لهذا وتأثرت شخصيته بهذا التغير، ومن أهم القناعات التي يجب الاهتمام بها هي المبادئ والقيم، يجب أن نركز جلَّ اهتمامنا على مصادر قناعاتنا، من أين نستمد مبادئنا وقيمنا الذاتية؟!. إن لدينا رصيداً ضخماً من التراث العظيم والخالد.. يجب أن نمجِّد هذا التراث ونحمله فوق كواهلنا وعلى أعناقنا وفي صميم قلوبنا، يجب أن نقنع الجيل الجديد بأهمية وضخامة وعظِم هذا الإرث الشامخ، والأهم من هذا كله كيف نقدم هذا التاريخ والعقيدة والمبادئ على شكل فكر متكامل ومتفاعل مع هذا العصر.. إن العلم والصدق والعدل والوفاء والأمانة واحترام الوقت واحترام الآخرين وإتقان العمل والالتزام بالوعد، مبادئ وقيم يجب أن تُزرع زرعاً في نفوسنا، ويجب أن نقدمها ونقدسها ونعتبرها أساساً تسير عليه مقومات حياتنا. (إن الفكر والقيم والقناعات من أهم المواضيع التي يجب بحثها بعمق ورويّة).

 

2- الاهتمامات:

إن أمةً تريد النهوض من رقاد طويل يجب أن تنهض بهمة وعزيمة من حديد، وليس لديها وقت لتضيِّعه بسفاسف الأمور وصغائرها، يجب أن نعوِّد أطفالنا ومنذ الصغر على الاهتمام بعظائم الأمور، وتحميلهم المسؤولية وحجز مكان لهم في مراكب الرجال، ويجب ألا يتوجه أبناؤنا للاهتمام بالأمور التافهة أكثر من اللازم، كالاهتمام الشديد بالرياضة العالمية، والثبات أمام التلفاز ساعات وساعات لمشاهدة نجوم الكرة، أو الفنانين المنحرفين أو الخاوين من القيم، أو الاهتمام بسيرتهم الشخصية وعلاقاتهم وإنجازاتهم، فماذا يفيدهم هذا في بناء شخصيتهم؟!.. ويجب أن نحث بناتنا على الاهتمام بالثقافة والعلم حتى يتهيأن ليكنَّ زوجات المستقبل العظيمات، وأمهات لفتيان الأمة القادمة بإذن الله، وليصبحن من المشاركات في صنع الحضارة المنشودة كما كانت النساء الخالدات في تاريخنا المجيد من قبل.. إن لنا اليد الطولى في تغيير اهتمامات أبنائنا إذا بدأنا نحن بتغيير اهتماماتنا، فالوالد الذي يشتغل أمام أبنائه بالثقافة والعلم وحضور الندوات ومتابعة النشرات الثقافية والعلمية، لابد بطريقة أو بأخرى أن ينقل هذا الاهتمام لأبنائه، والأم التي توجه وتنصح وتعتني بالأخلاق الحميدة خير مثال لبنتها لتكون مثلها.

 

3- اختيار القدوات:

 فالنفس البشرية مفطورة على الاقتداء بمن حولها، ومجبولة على تقليد الآخرين في أساليب الحياة، فإذا كانت القدوة صالحة فقد صلح المقتدي، وإذا كانت القدوة سيئة فذلك مدعاة لفساد من يتبعها، لذلك يجب علينا أن نعطي جلَّ اهتمامنا لاختيار القدوة الحسنة لنا ولأبنائنا، ولاختيار القدوة يجب أن نحبها أولاً، ومن ثم نتعرف إلى مجالات عظمتها وتميزها وأسباب نجاحها، ومن دواعي تحبيب أبنائنا بالقدوة رواية قصص الصالحين والعظماء في تاريخنا، وإن الإكثار من قصصهم وحكاياتهم ترمي في قلوب الأبناء حبهم والرغبة في مشاكلتهم والعيش على طريقتهم، وهذا أعظم إنجاز نحققه لهم.

كما ينبغي أن تكون لنا قدوة خاصة في كل مجال، فما يكون قدوة في العلم قد لايصلح قدوة في الشجاعة، ومايكون قدوة في الهمة قد لايصلح قدوة العقيدة، لكن واحدا فقط هو الذي يصلح قدوة في كل المجالات والذي بعث أساسا لهذا ألا وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو قدوتنا في كل شيء.

 

4- إتقان المهارات:

ومما لا شك فيه أن الفرد في المجتمع يجب أن يكون متمرساً ومتعلماً لكثير من الفنون والمهارات المتعددة مما يؤهله ليكون فاعلاً ومؤثراً في مجتمعه، ومن المهارات الهامة التي يجب أن نلقنها لأبنائنا تعلم علوم الكمبيوتر واللغات والخطابة والعلوم الكونية والاجتماعية إلى غير ذلك مما يعينهم على قيادة أنفسهم والتأثير بالآخرين.

والمهارات تنقسم إلى تافهة وشخصية ومفيدة للمجتمع فلاشك أن المهارات الشخصية مهمة لكن ماينبغي الحرص عليه أكثر هي المهارات النافعة للمجتمع.

 

5- اختيار العلاقات:

وقد بات معروفاً لدى المربين وأولياء الأمور أنهم يستطيعون التأثير في أبنائهم في مراحل عمرهم المبكرة، حتى إذا ما وصل الابن سنوات البلوغ ضعف تأثير الوالدين وتولت الصحبة والرفقة ذلك العمل، فأعظم ما يجب فعله في هذه الحالة هو اختيار الصحبة الجيدة لهم، فقد أثبتت التجارب أن الشباب في مرحلة المراهقة شديدو التأثر بأقرانهم والتقليد لهم بأفعالهم وأقوالهم، ومن هنا وجب التركيز على تعليم الأجيال القادمة فنون العلاقات وتوجيهها واستثمارها وتجنب أخطارها، وهذا ما ننوي الحديث عنه بالتفصيل مستقبلاً إن شاء الله تعالى.

 

 فهذه الأمور الخمسة السابقة محاور يجب العمل عليها جميعاً، ويجب أن نجند الطاقات ونسخر الإمكانيات ونشحذ الهمم ونهتم بها جميعها، ونجعلها دائماً نصب أعينا ومحلَّ رعايتنا وتركيزنا، وبعد الجهد الطويل والدؤوب على رعاية هذه الأمور لا شك بأننا سنلمس التحسن والتغير في مجتمعنا كاملاً، وستشهد الأمة بإذن الله النهوض والإشراق الجديد الذي ننشده ونطمح إليه.

 

  بقي أن نشير إلى أن الأمة يجب أن تراعي أموراً أساسية وهامة بشكل عام، ومنها:

1- الاهتمام الأمثل بالتطور العلمي والتقني وعدم الاكتفاء بمظاهر الحضارة التقنية وقشورها، بل ينبغي التعمق بها والسير بخطا حثيثة لاستكمال نواقص هذا المجال، كما يجب العمل على تشجيع الكفاءات وتنمية عقلية البحث والتجربة وروح الإبداع والإنفاق المجزي على هذه التقنيات.

2- يجب أن يتمتع إعلامنا ووسائل الاتصالات بمصداقية موثوقة، ويجب أن تطلق الحريات الفكرية، ويتسع المجال للحوار بين فئات الشعب المختلفة، وبين العامة والحكومات وأصحاب القرار، فإن كل ذلك يساعد في نمو الحركة الفكرية واتساع وعمق الثقافة الوطنية للأفراد والمجتمعات.

3- الانطلاق في مجال التعليم برؤية جديدة غير تلك التقليدية التي دأبت عليها مؤسساتنا التعليمية عقوداً من الدهر وباتت رثّة أكل عليها الدهر وشرب.. فعلينا الخروج بنظام تعليمي يواكب مستجدات العصر ويحوي رؤية شمولية تستوعب الرأي الآخر والمعارض، وكذلك يجب علينا أن نطرح التدين بطريقة جديدة محببة للنفوس ومقبولة لدى الناس ومقربة من قلوبهم.

 

 إننا من واقع معايشتنا لمآسي أمتنا العربية والإسلامية نتوجه بالنصح لكل إخواننا بالبدء بالتغيير دونما إبطاء، كل في بيته ومجتمعه ونفسه، فليس في الحياة بقية للتأجيل والتسويف، وإن التغيير حتمي ويجب أن يبدأ من ذوات أنفسنا لنحقق سنة الله تعالى فينا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

 

    ومن الله تعالى العون والتوفيق والسداد.

 

د. طارق محمد السويدان